تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الطبيب — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
المعلوم ان هؤلاء هم أصحاب عدل وعفه وشجاعة ورأفة وقناعة ( وبصفة ) يؤثرون للصدق ويأبون الكذب ويكرهون الآثام ويبعدون من الحرام فكل عادل عفيف منصف رؤوف ذي اخلاق فاضلة فهو يعرف بما فيه من الفضل فضل صناعة الطب وأهلها ولما كان الملوك والرؤساء بما خصّهم اللّه به من أنواع السعادات يؤثرون السعادات ويحبون الفضائل وأهل الفضل أكثر من غيرهم ممن دونهم وجب لذلك أن تكون عنايتهم بتقويم هذه الصناعة أكثر من غيرهم ، لتصح حقيقتها ويظهر نفعها للخاص والعام فبسر شرفها يكون الملوك العانين بتقويمها ويكشف حقيقة ما فيها أعظم نفعا للناس منها مشكورين محمودين من سائر الناس وعند اللّه مقدمين ومنه مثابين هذا مع ما تخلص لهم من النفع لأجسامهم والفضل لنفوسهم . وحسب من حصلت له هذه الفوائد شرفا بها ونفعا منها . وحسبا للطبيب بذلك بهذا الشرف وبهذه المنزلة الجليلة عند اللّه وعند أوليائه ، وسائر أبناء نوعه التي لا يفي بها غلاء الجواهر ولا كثير الأموال ، فأما من لم يكتف بهذه المرتبة العالية من الأطباء لكنه رغب في منافسة أهل الدنيا عليها فطلب جمع الذهب والفضة وتشاغل بجمعها عن اكتساب فضائل صناعته والبحث عن دقيق معانيها ولطيف أسرارها فقد بان بذلك جهلة بمنزلتها لأنه باع النفيس بالخسيس والشريف الباقي الدائم بالحقير الزايل الداثر وانكشف بذلك قلة معرفته بسير أفاضل الأطباء وبما يؤول اليه حال من رغب في علم هذه الصناعة وعمل بعلمها من الدنيا والآخرة ، فأما جهله بسير أفاضل أهلها ومخالفته لآرائهم فيها فيبين مما نذكره من سيرهم في هذا الباب الآن وفيما يأتي بعد في الأبواب الآتية من سيرهم واخبارهم مع ملوك اليونانيين وغيرهم ، فإن كان ما نذكره قليل من كثير من ذلك ما حكاه جالينوس عن بقراط لما وجه بعض الملوك اليه بقناطير كثيرة من الذهب وبذل له كرامات كثيرة ليصير اليه ولم يكن ذلك صوابا عنده لضرب من السياسة وكبرت نفسه عن ذلك ولم يلتفت اليه ومن ذلك أيضا جالينوس لما سلك طريق صناعة الطب في علاجه برومية لأولاد ديموس الفيلسوف ولابن جارنليس صاحب المراقد ولغيرهما ممن شفاهم اللّه على يديه وبان فضله وعرف قدر منزلته من الصناعة فحسده أطباء رومية وأخذوا في عناده لم ير « 40 » مقاومتهم ولا سلوك طرقهم ولا التفت إلى مكاسبه ورياسته بل رأى الانصراف إلى بلده ليعمل هناك الواجب مع قناعته بأهل بلده الذين كانوا أفاضل علماء أخيارا لان العالم الفاضل يرى أن موته خير له من كونه بين
هامش
( 40 ) وردت في الأصل ( يرى ) والصحيح ما أثبتناه .