النضج ان حماه تتركب فتركبت فتعجبوا من حكمه حتى قالوا ليس هذا من صناعة الطب بل من جنس النبوة . وكذلك أيضا ما حكاه من قصة الجارية العاشقة ، التي أخذ نبضها فأخبرها بحالها فذلك وكثير من أمثاله قد حكاه جالينوس في مقالة له مفردة عنونها بنوادر تقدمة المعرفة يقدر أن يقف عليها من أحب علم ذلك من تلك المقالة جمعيه وساير ما جانسه لم يقدر عليه الا من قوة هذه الصناعة فبذلك وأمثاله استحقت الشرف والتقدم على غيرها من الصنائع الا ترى إلى طاعة أهل المملكة لملكها وطاعة الملك لطبيبه ما لا يطيع أبويه ولا أحدا من حشمه وأهله وكشف سره اليه ما لا يكشفه إليهم لما يرجوه عنده من النفع والمصلحة ، ولقد حكي عن جبرائيل « 32 » طبيب المأمون أنه قال له يوما يا أمير المؤمنين أنا مصلح أدمغة الملوك والقضاة منذ خمسين سنة فكيف أقاس بغيري فاستحسن ذلك منه .
وأيضا فإنك تخدم حرم الملوك وغيرهم يكشفون للطبيب من اسرارهم ما لا يستحلون « 33 » كشفه لرجالهم ، فبذلك وأشباهه وجب لصناعة الطب الشرف ولأهلها التقدم على سائر أهل الصنائع والمهن ، ولعل قائلا يقول إن الفلسفة التي هي مقومة النفوس اشرف من صناعة الطب ، فنقول له ان الفلسفة لعمري شريفة لشرف موضوعها غير انك لا تقدر تخرجها عن أن تكون طبا للنفوس فاذن « 34 » كل فيلسوف طبيب وكل طبيب فاضل فيلسوف فالفيلسوف لا يقدر على اصلاح غير النفس والطبيب « 35 » الفاضل يقدر على صلاح النفس والبدن جميعا فإذن الطبيب يستحق ان يقال فيه انه المتشبه بأفعال الباري تعالى بحسب طاقته وهذا هو بعض حدود الفلسفة وفيما ذكرناه من هذا الباب كفاية .
هامش
( 32 ) هو جبرائيل بن بختيشوع بن جورجيوس ، طبيب هارون الرشيد والأمين والمأمون ، وقد حصل من عطايا الرشيد ما لم يحصل على مثله طبيب آخر وكانت وفاته سنة 213 للهجرية .
( 33 ) وردت في الأصل ( يستحيزون ) والصحيح ما أثبتناه .
( 34 ) وردت في الأصل ( إذا ) والصحيح ما أثبتناه .
( 35 ) هذا السطر مشطوب في المخطوطة .