الباب الثاني عشر في شرف صناعة الطب
ولما كان ذكرنا لشرف صناعة الطب وتقدمها في المرتبة على ساير الصنايع والمهن يبعث أهل العقول والآداب على اقتنائها أو ما تهيأ منها ويرغبهم في اتباع أوامرها والبعد عن نواهيها ويحثهم على تشريف أهلها وجب لذلك ان اذكر وجوها من شرفها وعيونا من فضايلها فأقول ان سائر المهن والصنائع لا يتم ذكرها ولا توصل إلى غاياتها الا بعد تصور النفس العلم بها . ولما كان العلم للنفس الناطقة والعمل للبدن وكانت النفس انما يتم لها العلم بالبدن إذا كان صحيحا والصحة لما تحفظ وتدوم أو تجلب وتقوم بصناعة الطب وجب لذلك أن تكون صناعة الطب هي أشرف الصنايع والعلم بها هو أقدم العلوم وأيضا فان الآلات التي بها تستخرج المهن والصنائع آلتان إحداهما القياس والآخر التجربة وغير ممكن من كل واحدة منها ولا من اجتماعهما ان يقدروا على استخراج أصول صناعة الطب إذا كان الحس لا يصل إلى ذلك وذلك لما نذكره وهو انا ندل أول شخص من المخلوقين حين خلق محتاجا إلى الغذاء ولم يعرف الغذاء من الدواء وكانا كلاهما من نوع النبات فإنه ان تناول أحدهما على أنه غذاء فقد خاطر بنفسه وغرر بخبرته لأنه ان عمد إلى حشيشة السقمونيا مثلا أو غيرها من الحشائش القاتلة فأكلها هلك وإذا كان الحس لا يفي بعلم ذلك والعقل فلا سبيل له إلى علم الأمور المحسوسة ولا إلى تمييزها الا من جهة الحس فغير ممكن اذن ان يعلم أصول صناعة الطب بطريق الاستدلال والقياس .
فأما فروع هذه الأصول فبغير شك ان استخراج ما استخرج منها هاتان الآليان استخرجته ولا يوجد طريق آخر لاستخراجه اللّهم الا ان يقول قائل ان الحكم والتكهن قد