الباب الثلاثون في طبائع الأنبذة ، ومنافعها ( * ) ومضارها ، والتدبير في شربها والحيلة في دفع ما يعقبه من الضرر ، وعلاج الخمار
أقول : إن من خواص النبيذ أنه يزيد في كمية الحرارة الغريزية وينميها وينشرها حتى ينبسط في ظاهر البدن وباطنه بعيده وقريبه بسرعة وسهولة . ويسخن لذلك القلب
هامش
( * ) دحض أوهام وجلاء حقيقة :
يعتقد البعض أن في الخمر منافع تعود من تعاطيها واستعمالها وخالفوا مقتضى العقل والصواب وجانبوا سبيل الهدى والاتباع ، وسول لهم هواهم أسبابا ومنافع ما هي إلا سحاب تنقشع عن ظلمة قاتمة ومنفعة الخمر خيال توهمته العقول القاصرة ، فضلت في بحور من الجهل وغيابات من الوهم ، وفيما يلي عرض لما أبدوه من منافع وموقف الشريعة الإسلامية بصددها ، وإليك البيان :
1 - المنافع المادية :
كانت الخمر ولا تزال موردا عظيما للثراء يربح التجار من جرائها أموالا طائلة ، ولكنها طامة كبرى للمجتمع فهي تطلق يد البخيل ، وكانت العرب تسخو في شراء الخمر ما لا تسخو في شراء غيرها بل كانوا يعدون ترك المماكسة فيها فضيلة ومكرمة فيكثر ربح جالبها وبائعها وكان الرجل منهم إذا سكر يبذل ماله في قومه وصحبه « 1 » .
والنفع المراد في قوله تعالى :فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِإنما هو النفع المادي لمن يتاجر بها بدليل قرنها بالميسر في الآية الثانية والرابعة ، ولا شك أن النفع مادي بحت حيث يكون الربح لبعض المتآمرين ، وكذلك وردت كلمة منافع في سور الحج / 28 :لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْوالمراد : الأعمال التجارية أما سائر ما ينسب لها من المنافع فهي وهمية كما سترى .
2 - إثارة النخوة وتشجيع الجبان :
ولعل هذا كان من أعظم منافعها في الجاهلية كما يزعمون إلا أن هذا أصبح الآن من أكبر مضارها بسبب الحروب الحديثة الدقيقة فرب غلطة من قائد سكير تذهب بجيشه وتظفر عدوه ؛ لأن السكر يحول دون حسن التدبير . قال الدكتور لورانس : أول ما يفقد من وظائف المخ بواسطة الغول هو القدرات الدقيقة على الحكم والملاحظة والانتباه « 2 » .
( 1 ) مجموع الفتاوى ( 34 / 223 ) .
( 2 ) الخمر بين الفقه والطب ( 40 - 41 ) ، وانظر نحو ذلك للدكتور الكيميائى صلاح الدين أحمد عثمان في بحثه : « التصنيف الكيميائى للمسكرات والمخدرات وتأثيرها الييوكميائى » ( ص 14 ) .