وأما الإخطار بالبال المذكور في كلمات البعض فهو من مقدمات النية والإرادة ، وما ستسمعه من اشتراطها في العمل لا يراد به أصل وجودها وصدور العمل بالإرادة ، فإنه مما لا بد منه في كل عمل إرادي ، بل المراد كون العلة الغائية في العمل التقرب وامتثال الأمر .
ثم إن هنا أمورا يتضح بها حال النية وأحكامها :
الأول : ان عمدة البحث عن النية في الفقه قد وقعت من جهة كونها مأخوذة في العبادة بالمعنى الأخص جزءا أو شرطا ، والظاهر أنه لا إشكال بل ولا خلاف في كونها مأخوذة فيها على نحو الركنية بحيث تبطل العبادة بتركها عمدا أو سهوا ، وفي الجواهر انه كذلك إجماعا منا محصلا ومنقولا مستفيضا أو متواترا بل من العلماء كافة بل عن بعض انه لم يقل أحد بأنها ليست بركن انتهى ، نعم قد يقع الخلاف في كيفية الأخذ وأنها على نحو الجزئية أو غيرها .
الثاني : انه قد يبحث في الفقه عن النية من جهة كونها محققة لعبادية العمل غير العبادي الصالح لكونه عبادة إذا أتى بها بقصد التقرب ، فتكون سببا لاستحقاق الفاعل الأجر والمثوبة له وان لم يكن كذلك بطبعه ، ويتصور ذلك في الواجبات والمندوبات التوصلية ، بل والمباحات بالذات القابلة لانطباق العناوين الراجحة عليها ، فتكون عبادة بالقصد والتقرب وهذه من العبادة بالمعنى الأعم .
الثالث : انهم ذكروا ان الغاية الملحوظ في النية والمحققة لعبادية العمل أمور ، أحدها قصد امتثال أمر اللّه تعالى أي المثول والقيام والشخوص بين يدي المعبود ، ثانيها قصد التقرب إلى المعبود ، ثالثها قصد الشكر لنعمه تعالى ، رابعها قصد تحقق المصالح الكامنة في المأمور به التي هي السبب الغائي لأمره ، خامسها قصد تحصيل رضاه تعالى ، سادسها إتيانه حبا للمعبود تعالى ، سابعها إتيانه لكونه أهلا للعبادة ، ثامنها قصد ثوابه الأخروي ، تاسعها قصد الفرار من العقاب الأخروي ، عاشرها قصد المثوبات الدنيوية ، حادي عشرها قصد الفرار من العقوبات الدنيوية إلى غير ذلك ، وذكروا أنها مختلفة في مراحل كمال العبادة وأن أعلاها قصد امتثال أمره تعالى لأنه أهل للعبادة والطاعة لكن في
مصطلحات الفقه — صفحة 550
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٥٥٠