ثمّ قال في آخر مقدّمته : فعلى الأدلّة المتقدمة أعمل ، وبها آخذ وأُفتي وأدين اللّه تعالى ، ولا ألتفت إلى سواد مسطور ، وقول بعيد عن الحقّ مهجور ، ولا أقلّد إلّا الدليل الواضح والبرهان اللائح ، ولا أُعرِّج إلى أخبار الآحاد ، فهل هدم الإسلام إلّا هي ، وهذه المقدّمة أيضاً من جملة بواعثي على وضع كتابي هذا . ( « 1 » )
ثمّ إنّه يظهر من غير موضع من كتاب « السرائر » انّه عندما يفتي على خلاف ما كان عليه فقهاء عصره المنتمون إلى الشيخ كان يتربص اتهامه بمخالفته للرأي العام في مسألة نزح ماء البئر ، قال : فما يوجب نزح الجميع أو المراوحة ، عشرة أشياء على هذه الطريقة ، وعدّ منها كلّ نجاسة لم يرد في مقدار النزح منها نص ، ومنها الكافر ، فهذا التحرير على هذه الطريقة صحيح . ( « 2 » )
ففي مسألة تحديد مقدار الواجب من النزح إذا مات في البئر كافر ، يرى ابن إدريس أنّ الواجب نزح جميع ما في البئر ، بدليل أنّ الكافر إذا باشر ماء البئر وهو حي وجب نزحها جميعاً اتفاقاً ، فوجوب نزح الجميع إذا مات فيها أولى . ( « 3 » )
وحينما أضفى على هذا الاستدلال طابع العقل وخالف فيها الرأي السائد أعقب عليه بقوله : وكأنّي بمن يسمع هذا الكلام ينفر منه ويستبعده ، ويقول : من قال هذا ؟ ! ومن سطره في كتابه ؟ ! ومن أشار من أهل هذا الفن الذين هم القدوة في هذا إليه ؟ ثمّ أشار إلى دليل المسألة . ( « 4 » )
فقهاء الدور الثالث
وقد اتسمت هذه الفترة بالركود ، ولكن أنجبت في أحضانها فقهاء كباراً ،
هامش
( 1 ) السرائر : 51 ، المقدمة .
( 2 ) السرائر : 1 / 71 - 73 .
( 3 ) السرائر : 1 / 71 - 73 .
( 4 ) السرائر : 1 / 71 - 73 .