( ب ) الشواطىء :
أما الشواطىء وما في حكمها من السواحل المتعلقة بمصالح الأنهار ونحوها فالظاهر أن الأكثرين من الفقهاء أو كلهم قد ذهبوا إلى المنع من إحيائها أو التصرف فيها على العكس مما رأيناه قبل قليل في قرينتها ( الجزائر ) ، وذلك لأنها فيما يظهر أكثر تعلقا وارتباطا بالمصلحة العامة وأكثر شمولا وعمومية في الانتفاع بها من الجزائر ، ولذا أعطوا هذه حكم الموات من الأراضي في الإحياء ونحوه ، بينما أعطوا ( الشواطىء ) وما في حكمها من السواحل حكم المنافع العامة التي يستوي الناس في الاستفادة بها ، الأمر الذي يحظر على الأفراد التصرف فيها بالإحياء ونحوه من التصرفات الخاصة « 1 » .
وإنما اعتبرت هذه من المنافع العامة التي يحظر على الأفراد التعامل فيها ، فذلك تبعا لما يلاصقها من المياه ، وحيث إن هذه المياه - كما صرحوا - « 2 » :
« لا ملك لأحد فيها ولا في رقبة النهر ، ولذا ليس لأحد حق خاص فيها ، ولا في الشرب ، بل هو حق لعامة المسلمين » ، فالحكم كذلك لا بد أن يكون
هامش
( 1 ) . ولكن الحظر هنا من التعامل فيها هو حظر نسبي ، فإنه إذا ما منعنا من التعامل أو التصرف بالأموال العامة ، فإن هذا لا يمنع من أن تكون محلا لعقد إيجار ونحوه من الانتفاعات الموقتة ، ما دام أن ذلك لا يعطل تخصيصها للمنفعة العامة ، فيجوز مثلا الترخيص بإقامة ( أكشاك ) ونحوها على الشواطىء ، كما نراه فعلا ، وهذا الحكم لا يختلف عنه في نحو ما من الأراضي الموقوفة التي يرد عليها الإيجار مع قولنا بالمنع من التعمل فيها .
( 2 ) . الكاساني - 6 / 192 . وداماد في مجمع الأنهر - 2 / 562 ، وبنحوه قال في مختصر الإمام المصمودى - 203 .
هذا ويصور « السرخسي في المبسوط - 23 / 164 » هذه الحقيقة - حقيقة كون المياه من المنافع العامة - بقوله : « وفي الروايات الناس شركاء في ثلاث ، ففيه إثبات الشركة للناس كافة ، وتفسير هذه الشركة في المياه التي تجري في الأودية والأنهار العظام ، فإن الانتفاع بها بمنزلة الانتفاع بالشمس والهواء ، وهو بمنزلة الانتفاع بالطرق العامة » .