أمّا [ الأمر ] الأوّل ، فبعد بيان الأقوال وتقسيم البقاع بذوات آفاق متّحدة أو متقاربة وذوات آفاق مختلفة يقول :
إنّ الشهور القمرية إنّما تبدأ على أساس وضع سير القمر واتّخاذه موضعا خاصّا من الشمس في دورته الطبيعية . وفي نهاية الدورة يدخل تحت شعاع الشمس . وفي هذه الحالة ( حال المحاق ) لا يمكن رؤيته في أيّة بقعة من بقاع الأرض . وبعد خروجه عن حالة المحاق ، والتمكّن من رؤيته ينتهي شهر قمري ، ويبدأ شهر قمري جديد .
ومن الواضح أنّ خروج القمر من هذا الوضع هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها ، لا لبقعة دون أخرى ، وإن كان القمر مرئيّا في بعضها دون الآخر ، وذلك لمانع خارجيّ كشعاع الشمس أو حيلولة بقاع الأرض ، أو ما شاكل ذلك ؛ فإنّه لا يرتبط بعدم خروجه من المحاق ؛ ضرورة أنّه ليس لخروجه منه أفراد عديدة ، بل هو فرد واحد متحقّق في الكون لا يعقل تعدّده بتعدّد البقاع . وهذا بخلاف طلوع الشمس ؛ فإنّه يتعدّد بتعدّد البقاع المختلفة ، فيكون لكلّ بقعة طلوع خاصّ بها .
وعلى ضوء هذا البيان ، فقد اتّضح أنّ قياس هذه الظاهرة الكونيّة بمسألة طلوع الشمس وغروبها قياس مع الفارق ، وذلك لأنّ الأرض بمقتضى كرويّتها تكون بطبيعة الحال لكلّ بقعة منها مشرق خاصّ ومغرب كذلك .
ثمّ يقول :
نتيجة ذلك أنّ رؤية الهلال في بلدمّا أمارة قطعيّة على خروج القمر عن الوضع المذكور الذي يتّخذه من الشمس في نهاية دورته وأنّه بداية لشهر قمري جديد لأهل الأرض جميعا ، لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتّفق معه في الأفق « 1 » . انتهى .
أقول : وإن كان ما ذكر في غاية التحقيق والتدقيق وإنّ ما ذكر من كون خروج القمر عن المحاق جزئيّا لا ينطبق على كثيرين بخلاف طلوع الشمس الذي ينطبق على كثيرين كما في قوله تعالى :
بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
« 2 » إلّا أنّ الالتزام بأنّ هذا الخروج سبب لتحقّق شهر قمريّ جديد لجميع أهل الأرض يلزم منه خروج كثير من الأحكام الشرعيّة بل موضوعاتها عن ميزانهما الشرعيّ ؛ لأنّه بملاحظة رؤيته في ليلة أوّل شهر شوّال في بقعة يلزم التعيّد في
هامش
( 1 ) . راجع رؤيت هلال ، ج 4 ، ص 2701 .
( 2 ) . المعارج ( 70 ) : 40 .