الصيام إلّا إذا رئي الهلال . أمّا إذا كان بالسماء غيم فإنّ المرجع في ذلك يكون إلى شعبان ، بمعنى أن نكمله ثلاثين يوما ، بحيث لو كان ناقصا في حسابنا نلغي ذلك النقص ، وإن كان كاملا وجب الصوم .
وهذه القاعدة وضعها الشارع الذي أمر بالصيام ، فهو صاحب الحقّ المطلق في نصب العلامات التي يريدها ، وهو قد قال لنا : إن كانت السماء صحوا ويمكن رؤية الهلال فارصدوه ، وصوموا عند رؤيته ، وإلّا فلا . أمّا إذا كانت غيما فلنرجع إلى حساب شهر شعبان ، ونكمله ثلاثين يوما . وبهذا أخذ ثلاثة من الأئمّة ، وخالف الحنابلة حال الغيم ؛ عملا بلفظ آخر ورد في حديث آخر ، قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فاقدروا له » فقالوا : إنّ معنى « فاقدروا له » أي احتاطوا له بالصوم .
وقد احتجّ الحنابلة لذلك بعمل ابن عمر - راوي الحديث - فقد ثبت أنّه كان إذا مضى من شعبان تسع وعشرون ، يبعث من ينظر ، فإن رأى فذاك ، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب وقتر ، أصبح مفطرا ، وإن حال أصبح صائما ، ولا يقال لهذا اليوم : يوم الشكّ في هذه الحالة ، بل الشكّ عندهم لا يوجد إلّا إذا كان اليوم صحوا ، وتقاعد الناس عن رؤية الهلال . وعلى هذا قالت الحنابلة : إذا غمّ الهلال في غروب اليوم التاسع والعشرين من شعبان ، فلا يجب إكمال شعبان ثلاثين يوما ، ووجب على المسلم تبييت النيّة ، وصوم اليوم التالي لتلك الليلة ، سواء كان في الواقع من شعبان أو رمضان ، وينويه عن رمضان ، فإن ظهر في أثنائه أنّه من شعبان يجب إتمامه « 1 » . انتهى .
هل يعتبر قول المنجّمين ؟
وتحت هذا العنوان قال :
ولا عبرة بقول المنجّمين - يعني الفلكيّين - فلا يجب عليهم الصوم بحسابهم ، ولا على من وثق بقولهم ؛ لأنّ الشارع علّق الصوم على أمارة ثابتة لا تتغيّر أبدا ، وهي رؤية الهلال أو إكمال العدّة ثلاثين يوما . أمّا قول المنجّمين فهو إن كان مبنيّا على قواعد دقيقة ، فإنّا نراه غير منضبط ، بدليل اختلاف آرائهم في أغلب الأحيان ، وهذا هو رأي ثلاثة من الأئمّة ، وخالف الشافعية فقالوا : يعتبر قول المنجّم - الفلكي - في حقّ نفسه ، وحقّ من
هامش
( 1 ) . الفقه على المذاهب الأربعة ، للجزيري ، ج 1 ، ص 498 .