وأذكر أوّلا عبارات الفقهاء في هذا الموضوع المهمّ :
قال الحنفيّة « 1 » : اختلاف المطالع ورؤية الهلال نهارا قبل الزوال وبعده غير معتبر ، على ظاهر المذهب ، وعليه أكثر المشايخ ، وعليه الفتوى ، فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب إذا ثبت عندهم رؤية أولئك بطريق موجب ، كأن يتحمّل اثنان الشهادة ، أو يشهدا على حكم القاضي ، أو يستفيض الخبر ، بخلاف ما إذا أخبر أهل بلدة كذا رأوه ؛ لأنّه حكاية .
وقال المالكيّة « 2 » : إذا رئي الهلال ، عمّ الصوم سائر البلاد ، قريبا أو بعيدا ، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر ، ولا اتّفاق المطالع ، ولا عدمها ، فيجب الصوم على كلّ منقول إليه إن نقل ثبوته بشهادة عدلين أو بجماعة مستفيضة ، أي منتشرة .
وقال الحنابلة « 3 » : إذا ثبتت رؤية الهلال بمكان ، قريبا كان أو بعيدا ، لزم الناس كلّهم الصوم ، وحكم من لم يره حكم من رآه .
وأمّا الشافعيّة « 4 » فقالوا : إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد ، بحسب اختلاف المطالع في الأصحّ ، واختلاف المطالع لا يكون في أقلّ من أربعة وعشرين فرسخا « 5 » .
وإذا لم نوجب على البلد الآخر وهو البعيد ، فسافر إليه من بلد الرؤية من صام به ، فالأصحّ أنّه يوافقهم وجوبا في الصوم آخرا ، وإن كان قد أتمّ ثلاثين ؛ لأنّه بالانتقال إلى بلدهم صار واحدا منهم ، فيلزمه حكمهم ، وروي أنّ ابن عبّاس أمر كريبا بذلك ، كما سيأتي .
ومن سافر من البلد الآخر الذي لم ير فيه الهلال إلى بلد الرؤية ، عيّد معهم وجوبا ؛ لأنّه صار واحدا منهم ، سواء أصام ثمانية وعشرين يوما ، أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تامّا عندهم ، وقضى يوما إن صام ثمانية وعشرين ؛ لأنّ الشهر لا يكون كذلك .
هامش
( 1 ) . ردّ المحتار ، ج 2 ، ص 131 - 132 ؛ مراقي الفلاح ، ص 109 .
( 2 ) . الشرح الكبير ، ج 1 ، ص 510 ؛ بداية المجتهد ، ج 1 ، ص 278 وما بعدها ؛ القوانين الفقهية ، ص 116 .
( 3 ) . كشّاف القناع ، ج 2 ، ص 353 .
( 4 ) . المجموع ، ج 6 ، ص 297 - 303 ؛ مغني المحتاج ، ج 1 ، ص 422 - 423 .
( 5 ) . الفرسخ ( 5544 م ) وهذه المسافة تساوى 5544 ( ) 24 056 ، 133 كم ، انظر جدول المقاييس ، علما بأنّ مسافة القصر ( 89 كم ) : هي أربعة برد أو ستّة عشر فرسخا ، والفرسخ : ثلاثة أميال ، والميل : أربعة آلاف خطوة ، والخطوة :
ثلاثة أقدام ، والقدمان : ذراع ، والذراع : أربعة وعشرون إصبعا معترضات .