أدلّة الجمهور : استدلّوا بالسنّة والقياس .
أمّا السنّة : فهو حديث أبي هريرة وغيره : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين » « 1 » فهو يدلّ على أنّ إيجاب الصوم على كلّ المسلمين معلّق بمطلق الرؤية ، والمطلق يجري على إطلاقه ، فتكفي رؤية الجماعة أو الفرد المقبول الشهادة .
وأمّا القياس : فإنّهم قاسوا البلدان البعيدة عن المدن القريبة من بلد الرؤية ؛ إذ لا فرق ، والتفرقة تحكّم لا تعتمد على دليل .
هذا . . . وقد ذكر ابن حجر في الفتح ستّة أقوال في الموضوع ، وقال الصنعاني : والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتّصل بها من الجهات التي على سمتها « 2 » ، أي على خطّ من خطوط الطول ، وهي ما بين الشمال إلى الجنوب ؛ إذ بذلك تتّحد المطالع ، وتختلف المطالع بعدم التساوي في طول البلدين أو باختلاف درجات خطوط العرض .
وقال الشوكاني :
إنّ الحجّة إنّما هي في المرفوع من رواية ابن عبّاس ، لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس ، والمشار إليه بقوله : « هكذا أمرنا رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم » وقوله : « فلا نزال نصوم حتّى نكمل الثلاثين » .
والأمر الوارد في حديث ابن عمر لا يختصّ بأهل ناحية على جهة الانفراد ، بل هو خطاب لكلّ من يصلح له من المسلمين ، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم ؛ لأنّه إذا رآه أهل بلد ، فقد رآه المسلمون ، فيلزم غيرهم ما لزمهم .
والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكيّة وجماعة من الزيديّة ، واختاره المهدي منهم ، وحكاه القرطبي عن شيوخه : أنّه إذا رآه أهل بلد ، لزم أهل البلاد كلّها « 3 » .
وهذا الرأي - رأي الجمهور - هو الراجح لديّ ؛ توحيدا للعبادة بين المسلمين ، ومنعا من الاختلاف غير المقبول في عصرنا ، ولأنّ إيجاب الصوم معلّق بالرؤية ، دون تفرقة بين الأقطار .
والعلوم الفلكيّة تؤيّد توحيد أوّل الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية ؛ لأنّ أقصى
هامش
( 1 ) . رواه البخاري ومسلم ، نيل الأوطار ، ج 4 ، ص 191 .
( 2 ) . سبل السلام ، ج 2 ، ص 151 .
( 3 ) . نيل الأوطار ، ج 4 ، ص 195 .