وعن ابن عمر رضي اللّه عنه قال : تراءى الناس الهلال ، فأخبرت رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّي رأيته فصام وأمر الناس بالصيام « 1 » . والمعنى فيه الاحتياط لأمر الصوم ، قال عليّ عليه السّلام : « لأن أصوم يوما من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوما من رمضان » « 2 » . ونقل الشيخ أبو محمّد عن أبي إسحاق طريقة قاطعة بقبول قول الواحد ، والمشهور طريقة القولين :
التفريع : إن قلنا : لا بدّ من اثنين فلا مدخل لشهادة النساء فيه ، ولا اعتبار بقول العبيد ، ولا بدّ من لفظ الشهادة ، وتختصّ بمجلس القضاء ، لكنّها شهادة حسبة لا ارتباط لها بالدعاوي ، كذلك حكاه الإمام . وإن قبلنا قول واحد فهل هو على طريق الشهادة أم على طريق الرواية ؟
فيه وجهان :
أصحّهما : أنّه شهادة إلّا أنّ العدد سومح به ، والبيّنات مختلفة المراتب .
والثاني - وبه قال أبو إسحاق - : أنّه رواية : لأنّ الشهادة ما يكون الشاهد فيها بريئا ، وهذا خبر عمّا يستوي فيه المخبر وغير المخبر ، فأشبه رواية الخبر عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
فعلى الأوّل لا يقبل فيه قول المرأة والعبد ، ويحكى ذلك عن نصّه في الأمّ ، وعلى الثاني يقبل .
وهل يشترط لفظ الشهادة ؟ « 3 »
قال الشيخ أبو عليّ وغيره : هو على الوجهين ، ومنهم من قدر اشتراطه متّفقا عليه . واحتجّ به الوجه الأوّل . وهل يقبل قول الصبيّ المميّز الموثوق به على الوجه الثاني ؟ قال الإمام : فيه وجهان : مبنيّان على قبول رواية الصبيان ، وجزم في التهذيب بعدم القبول مع حكاية الخلاف في روايته ، وهو المشهور . وذكر الإمام وابن الصبّاغ تفريعا على الوجه الثاني : أنّه إذا أخبره موثوق به عن رؤية الهلال لزم اتّباع قوله ، وإن لم يذكر بين يدي القاضي .
وقالت طائفة : يجب الصوم بذلك إذا اعتقد المخبر صادقا ، ولم يفرّعوه على شيء ، ومن هؤلاء ابن عبدان وصاحب التهذيب ، وكذلك ذكره المصنّف في الإحياء . والله أعلم . وعلى
هامش
( 1 ) . أخرجه الدارقطني في سننه ، ج 2 ، ص 156 ، والحاكم في مستدركه ، ج 1 ، ص 423 وقال صحيح على شرط مسلم .
( 2 ) . أخرجه البيهقي في سننه ، ج 4 ، ص 212 .
( 3 ) . عبارة الروياني : وصفة الشهادة على الهلال أن يقول : رأيته في ناحية المغرب ، ويذكر صغره وكبره وتدويره وتقديره ، وأنّه بحذاء الشمس أو في جانب مثلها ، وأنّ ظهره إلى الجنوب أو الشمال ، وأنّه كان في السماء غيم أو لم يكن . وفائدة التنصيص على ذلك الاحتياط حتّى إذا رئي في الليلة الثانية ولم يكن بهذه الصفات بأن كذب الشاهد ؛ لأنّ الهلال في الليلة الثانية لا يتحوّل عن صفاته التي طلع عليها بالأمس . قاله الخطيب في المغني ، ج 1 ، ص 423 .