فرع : وإن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في بلد آخر ، نظرت ، فإن كانا متقاربين وجب الصوم على الجميع ،
وإن كانا متباعدين ففيه وجهان :
أحدهما - وهو قول القاضي أبي الطيّب ، واختيار الصيمري - : أنّه يلزم الجميع الصوم ، وهو قول أحمد بن حنبل ، كما لو كان البلدان متقاربين .
والثاني - ولم يذكر الشيخ أبو حامد في التعليق ، والشيخ أبو إسحاق في المهذّب غيره - :
أنّه لا يلزم أهل البلد الذين لم يروه ؛ لما روي عن كريب : أنّه قال :
أرسلتني أمّ الفضل بنت الحارث من المدينة إلى معاوية بالشام ، فقدمت الشام ، فقضيت حاجتي بها ، واستهلّ عليّ رمضان وأنا بالشام ، فرأيت الهلال ليلة الجمعة ، ثمّ قدمت المدينة في آخر الشهر ، فسألني عبد الله بن عبّاس ، وذكر الهلال ، فقال : متى رأيتم الهلال ؟
فقلت : رأيناه ليلة الجمعة ، فقال : أنت رأيته ؟ قلت : نعم ، ورآه الناس وصاموا ، وصام معاوية ، فقال : لكنّا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتّى نكمل العدّة أو نراه ، فقلت :
أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » .
فإذا قلنا بهذا ، ففي اعتبار القرب والبعد وجهان :
أحدهما - وهو قول المسعودي [ في الإبانة ق / 156 ] والجويني - : أنّ البعد مسافة القصر فما زاد ، والقرب دون ذلك .
والثاني - حكاه الصيمري - : إن كان إقليما واحدا لزم جميع أهله برؤية بعضهم ، وإن كانا إقليمين لم يلزم أهل أحدهما برؤية أهل الآخر .
وقال ابن الصبّاغ : إن كانا بلدين لا تختلف المطالع « 2 » لأجلهما - كبغداد والبصرة - لزمهم برؤية بعضهم ، وإن كانا بلدين تختلف المطالع فيهما - كالعراق والحجاز ، والشام وخراسان ،
هامش
( 1 ) . أخرج خبر كريب مسلم ( 1087 ) ، وأبو داود ( 2332 ) ، والترمذي ( 693 ) قال الترمذي : حسن صحيح ، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أنّ لكلّ أهل بلد رؤيتهم .
( 2 ) . المطالع - جمع مطلع - : وهو مكان الطلوع لأحد النيّرين أو غيرهما ، الذي يبدأ ظهور بروزه منه . والمطلع : مكان الطلوع ، والمطلع : المصدر ، يقال : طلع علينا فلان : إذا هجم .
والأولى - والله أعلم - أن يعمل في هذه الأيّام بقول الجمهور ، وهو أنّ رؤية القمر في بلد تلزم بقيّة البلاد ؛ لما في ذلك من جمع شمل . وعلى كلّ حال في الأمر سعة .