وهذا يمنع من الرجوع إلى قول المنجّمين « 1 » .
فرع : فإن أصبحوا يوم الثلاثين من شعبان وهم يظنّون أنّه من شعبان ، ثمّ قامت البيّنة أنّه من شهر رمضان ، لزمهم قضاؤه .
وقال أبو حنيفة : إذا نووا الصوم . . . أجزأهم . وبناه على أصله أنّ النيّة تصحّ من النهار .
والكلام عليه يأتي .
دليلنا أنّه لم ينوه من الليل ، فلم يجزه ، وهل يلزمهم إمساك بقيّة النهار ؟ فيه قولان :
أحدهما : لا يلزمهم ؛ لأنّه أبيح لهم الفطر ، فلم يجب عليهم الإمساك ، كالحائض إذا طهرت .
والثاني : يلزمهم . وهو الصحيح ، ولم يذكر الشيخ أبو حامد في التعليق غيره ؛ لأنّه أبيح لهم الفطر بشرط أنّه من شعبان ، وقد بان أنّه من رمضان .
فإذا قلنا ، بهذا : فهل يكون صوما شرعيّا يثبون عليه ؟ فيه وجهان :
أحدهما : لا يكون صوما شرعيّا ، ولا يثابون عليه ؛ لأنّه لا يعتدّ به ، فهو كما لو أكل عامدا ثمّ أمسك بقيّة النهار .
هامش
عوف ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة . وله شواهد :
فعن ابن مسعود رواه أبو داود الطيالسي في المسند ، ص 382 .
وعن ابن عمر أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء ، ج 8 ، ص 246 .
كاهن : من يتنبّأ بالغيب . العرّاف : المنجّم الذي ينظر في النجوم يحسب مواقيتها وسيرها ، ويستطلع من ذلك أحوال الكون .
( 1 ) . أقول : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عندما قال - فيما رواه عن ابن عمر البخاري ( 1913 ) ، ومسلم ( 1080 ) ( 15 ) في الصيام : « إنّا أمّة أميّة لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا وهكذا » . خاطب بذلك حال واقع العرب أيّام بعثته ، ونستطيع أن نفهم من حديثه أنّهم لو لم يكونوا أمّة أميّة لأشار عليهم باعتماد الحساب الذي يفيد العلم المقبول في هذه المسائل ، والذي يكفي فيه الظنّ الراجح المكافئ لشهادة شاهدين عدلين ذكرا أنّهما رأيا الهلال ، بل قد يكون ما يقدّمه العلم من حساب الفلكيين الموثوقين إذا أضافوا إلى معرفتهم رؤية المناظير والمراصد ، أقوى من شهادة شاهد أو أكثر .
وقد رأى بعض أهل العلم اليوم أنّ هذه الرؤية إحدى الطرق التي يجب اتّخاذها لمعرفة دخول الشهر ، ولا تتصادم مع دلالات النصوص الشرعيّة ، بل تنسجم مع أصول طرق المعرفة التي دعا إليها الإسلام في مختلف مجالات المعرفة .
فممّا تقدّم نخلص إلى أنّه بعد معرفة وقت ولادة الهلال فلكيا علينا أن نحدّد زمن إمكان رؤيته ، ثمّ نبحث عنه في الزاوية المحدّدة للرؤية ، فإذا رأيناه صمنا وأمرنا بصيامه ، وعلى هذا ، فلا يقبل قول من قال : رأيت الهلال قبل إمكان بروزه وظهوره للعيان ، والله تعالى أعلم بالصواب .