استهلال رمضان فلا يصم ، ومن رآه وحده في استهلال شوّال فلا يفطر ، وبه يقول الحسن :
روينا ذلك من طريق معمّر عن أبي قلابة :
أنّ رجلين رأيا الهلال في سفر ، فقدما المدينة ضحى الغد ، فأخبرا عمر ، فقال لأحدهما :
أصائم أنت ؟ قال : نعم ، كرهت أن يكون الناس صياما وأنا مفطر ، كرهت الخلاف عليهم ، وقال للآخر : فأنت ؟ قال : أصبحت مفطرا ؛ لأنّي رأيت الهلال . فقال له عمر : لولا هذا - يعني الذي صام - لأوجعنا رأسك ، ورددنا شهادتك ؛ ثمّ أمر الناس فأفطروا .
ومن طريق ابن جريج : أخبرت عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي :
أنّ رجلا قال لعمر : إنّي رأيت هلال رمضان ، قال : أرآه معك أحد ؟ قال : لا . قال : فكيف صنعت ؟ قال : صمت بصيام الناس . فقال عمر : يا لك فيها ! !
وهو قول عطاء . قال أبو محمّد : ينبغي لمن قلّد عمر - فيما يدعونه من مخالفة « البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا » وتحريم المنكوحة في العدّة : أن يقلّده هاهنا .
قال أبو حنيفة ومالك : يصوم إن رآه وحده ، ولا يفطر إن رآه وحده وهذا تناقض ! وقال الشافعي كما قلنا .
وخصومنا لا يقولون بهذا ولا نقول به ؛ لأنّ الله ( تعالى ) قال :
لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ
« 1 » .
وقال ( تعالى ) :
وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها
« 2 » .
وقال ( تعالى ) :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
« 3 » فمن رآه فقد شهده .
وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته » .
758 - مسألة : وإذا رئي الهلال قبل الزوال فهو من البارحة ويصوم الناس من حينئذ باقي يومهم إن كان أوّل رمضان ويفطرون إن كان آخره ، فإن رئي بعد الزوال فهو لليلة المقبلة .
برهان ذلك : قول رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته » فخرج من هذا الظاهر إذا رئي بعد الزوال بالإجماع المتيقّن ، ولم يجب الصوم إلّا من الغد ؛ وبقي حكم لفظ الحديث إذا رئي قبل الزوال ؛ للاختلاف في ذلك ، فوجب الرجوع إلى النصّ .
وأيضا فإنّ الهلال إذا رئي قبل الزوال فإنّما يراه الناظر إليه والشمس بينه وبينه ، ولا شكّ
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 84 .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 164 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .