والقول الثاني : إنّها تعاد من الغد ؛ لأنّها صلاة دائبة ، فوجب أن لا تسقط بفوات وقتها كالفرائض ، وقد روى أنس بن مالك أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أمر بقضائها من الغد ، إلّا أنّ في الحديث اضطراب ، ولولا اضطرابه لأعيدت الصلاة من الغد قولا واحدا .
فعلى هذا اختلف أصحابنا في علّة تأخيرها إلى الغد على وجهين :
أحدهما : وهو قول أبي إسحاق أنّ العلّة في تأخيرها تعذّر اجتماع الناس لتفرّقهم وعدم علمهم ، فعلى هذا إذا كان البلد لطيفا يمكن اجتماع أهله بعد الزوال من يومهم صليت في اليوم ؛ لأنّه أقرب إلى وقتها الغالب .
الوجه الثاني : - وهو ظاهر مذهب الشافعي - أنّ العلّة في تأخيرها إلى الغد أن يؤتى بها في وقتها المسنونة فيه ، وذلك بعد طلوع الشمس وقبل الزوال ، فعلى هذا لا يجوز قضاؤها في اليوم بحال . . . .
مسألة : قال الشافعي :
وإن شهد شاهدان أنّ الهلال رئي قبل الزوال أو بعده ، فهو لليلة المستقبلة ووجب الصيام .
قال الماوردي : وهذا - كما قال - إذا رأى الناس الهلال في نهار يوم الشكّ ، أو شهد رؤيته عدلان ، فهو لليلة المستقبلة ، سواء كان رؤيته قبل الزوال أو بعده . وقال ابن أبي ليلى ، وسفيان الثوري ، وأبو يوسف : إن رئي قبل الزوال فهو لليلة السالفة ، وإن رئي بعد الزوال فهو للمستقبلة . وقال أحمد بن حنبل في هلال رمضان بقولهم ، وفي هلال شوّال بقولنا ، احتياطا واستظهارا . واستدلّوا في ذلك بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » فوجب لهذا الظاهر أن يكون الفطر معلّقا برؤيته ، قالوا : ولأنّ الهلال لا بدّ من إضافته إلى ليل ، فينبغي أن يضاف إلى ما قاربه ، وما قبل الزوال أقرب إلى الليلة الماضية ، فيجب أن يضاف إليها ، وما بعد الزوال أقرب إلى الليلة المستقبلة ، فيجب أن يضاف إليها .
والدلالة على ما قلنا إجماع الصحابة ، وهو ما روي عن عمر ، وعليّ ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن مسعود ، وأنس بن مالك أنّهم قالوا : إذا رئي الهلال يوم الشكّ فهو لليلة المستقبلة ، ولأنّه رئي هلال في يوم الشكّ فوجب أن يكون لليلة المستقبلة إذا رئي بعد الزوال .
فأمّا استدلالهم بالخبر فلا يصحّ ؛ لأنّه يقتضي وجوب الصيام عند حصول الرؤية ، وإذا رآه نهارا لم يتمكّن من صيامه فعلم أنّ المراد به اليوم الذي يليه . وأمّا ما استدلّوا به من اعتبار