فقول ابن عبّاس : هكذا أمرنا رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يدلّ على أنّ هذا الحديث له حكم المرفوع ، كما هو مقرّر عند العلماء ، ومع أنّ الموضوع ليس فيه إلّا حديث واحد فقد انقسم العلماء إلى رأيين :
الرأي الأوّل : أن يصوم كلّ أهل منطقة برؤيتهم ، أخذا بحديث كريب السابق ، وهو يشبه ما يطبق في الصلاة ، حيث يصلّي أهل كلّ منطقة حسب توقيتهم الخاص .
ولكن أصحاب هذا الرأي لم يتّفقوا على حدود المنطقة التي يلزم الناس فيها الأخذ بالرؤية ، وذلك لعدم ورود نصّ شرعي صحيح صريح في المسألة .
فقال بعضهم : هي مسافة القصر من كلّ الجهات ، وهم مختلفون في تحديد مسافة القصر .
وقال آخرون : هي البلاد الواقعة على سمتها ، أي موازاتها ، وهو كلام يحتمل موازاتها في خطوط الطول ، أو موازاتها في خطوط العرض .
وفي ضوء عدم وجود نصّ شرعي فلا بدّ من الرجوع إلى المعلومات الفلكيّة التي تؤكّد بلا أدنى شكّ أنّ تحديد ذلك بمسافة القصر لا أساس له من الصحّة علميّا ، كما تؤكّد أن لا علاقة بين مكان الرؤية وبين المناطق الواقعة على خط العرض نفسه .
والصحيح علميّا أنّ رؤية الهلال في منطقة تعدّ رؤية للبلاد الواقعة على خط الطول نفسه ، وللبلاد التي تقع غرب ذلك الخط من باب أولى .
وهذا على عكس الحال بالنسبة للصلاة ، حيث إنّ غروب الشمس في بلد ، يدلّ على غروبها في البلدان الواقعة على خطّ الطول نفسه ، والبلدان الواقعة شرق ذلك الخط ، وأمّا البلدان الواقعة غرب ذلك المكان ، فإنّ الشمس فيها لم تغب بعد .
الرأي الثاني : إنّ الشهر إذا ثبت في مكان ثبت في الأرض كلّها ، ولا عبرة باختلاف المطالع « 1 » .
وهذا الرأي ليس له دليل شرعي يدلّ عليه ، ويظنّ كثير من الناس أنّه أسهل في التطبيق ، حيث يصوم المسلمون جميعا في يوم واحد ، فإن رئي الهلال في مكان ليلة الجمعة ، فإنّ يوم الجمعة هو بداية الشهر في العالم كلّه .
ولكنّنا لو أنعمنا النظر في هذا الرأي لوجدنا ما يلي :
1 . أنّ هذا الرأي يتعارض مع حديث كريب ، ولا يستند إلى أيّ نصّ شرعي .
هامش
( 1 ) . الصنعاني ، سبل السلام ، ج 2 ، ص 151 .