وقد جعل أصحاب هذا الرأي الرؤية شرطا لثبوت الشهر ، ولم يعتبروها وسيلة لإثباته ، وهذا مرجوح لأمور :
أوّلها : أنّ الشهر يثبت بالإكمال في حال الغيم بنصّ الأحاديث المعروفة التي ستأتي في أدلّة أصحاب الرأي الثاني ؛ ولذلك لا تشترط رؤية الهلال بعد غروب شمس اليوم الثلاثين لإثبات دخول الشهر باتّفاق ؛ لأنّ وجوده في هذه الحالة لا شكّ فيه ، فالعبرة أذن بتيقّن وجوده مع إمكان رؤيته لو لم يحل دون ذلك غمام « 1 » .
ثانيها : أنّهم لم يطبّقوا ذلك على أحاديث أخرى كحديث « إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم » « 2 » ، والمسلمون منذ زمن طويل يصومون ويفطرون على الحساب والتقدير من غير نكير ، ولا يراقبون طلوع الفجر وغروب الشمس بالعين ، كما كانوا يفعلون زمن رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وزمن من بعده من أهل القرون الأولى الفاضلة ، فلما ذا لم يجعلوا الرؤية هنا شرطا للإفطار ؟
ثالثها : أنّ الحديث خرج مخرج الغالب « 3 » ، كما هو الشأن في كثير من النصوص الشرعيّة ، والسبب في ذلك أنّ هذه هي الوسيلة التي كانت متاحة في عصر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولم يكن متاحا للأمّة الإسلاميّة في ذلك الوقت الحساب الفلكي القطعي ، بل ولا الذي يحقّق غلبة الظنّ .
3 . أنّ الحساب من علم النجوم ، وقد نهانا الإسلام عن ذلك ، فعن زيد بن خالد قال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
من قال : مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكواكب ، وأمّا من قال : مطرنا بنجم كذا ، فهو مؤمن بالكوكب كافر بي « 4 » .
قال ابن بزبزة : فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم ؛ لأنّه حدس وتخمين ليس فيه قطع ولا ظنّ غالب ، مع أنّه لو ارتبط الأمر بها لضاق « 5 » .
وهذا الدليل أيضا لا يدلّ على النهي عن تعلّم حساب حركة النجوم ولا عن اعتماده في إثبات الشهر ، بل هو نهي عن التنجيم الذي هو ادّعاء علم المستقبل من خلال حركة النجوم ،
هامش
( 1 ) . السبكي ، الفتاوى ، ج 1 ، ص 208 .
( 2 ) . البخاري ، الصحيح ، ح 1941 ؛ مسلم ، الصحيح ، ح 1101 .
( 3 ) . السبكي ، الفتاوى ، ج 1 ، ص 215 .
( 4 ) . البخاري ، الصحيح ، ح 4147 ؛ مسلم ، الصحيح ، ح 71 .
( 5 ) . ابن حجر ، فتح الباري ، ج 4 ، ص 127 .