لكنّنا إذا كنّا نوافقه في الشطر الأوّل من رأيه كما سنبيّنه في القسم الثاني ، فإنّنا لا نجد بدّا من رفض زعمه بأنّ ضابط التباعد - أي عند القائلين باختلاف البلدان حول دخول الشهور - محض استدلال عقلي ، إلّا إذا كان يقصد الآراء المبنيّة على التخمين ، كالتي تضبطه بمسافة القصر أو ما شاكلها .
وأمّا الفقهاء القدامى فقد فهمت جماعة منهم « بأنّ ضابط اختلاف المطالع من جهة المنجّمين » ( ابن مفلح ) أي أنّ مرجعه إلى ضوابط فلكيّة .
حتّى قال الرملي - من الشافعيّة ، وقد كان من الرافضين اعتبار الحساب - : « ولا نظر إلى [ عدم ] اعتبار قولهم - أي المنجّمين - في دخول الشهر كما مرّ ؛ لأنّه لا يلزم من عدم اعتباره في الأصول والأمور العامّة عدم اعتباره في التوابع والأمور الخاصّة » ( ابن عابدين ) ، يريد بالتوابع والأمور الخاصّة مسألة اختلاف المطالع .
أمّا السبكي فقد اعتبر حساب علماء الفلك في الأمرين ، فقال - ردّا على إمام الحرمين الجويني الذي ردّ اعتبار المطالع لأنّه « مبني على الأرصاد والنمودارات » - : « مسألتنا هذه في قطر عظيم وإقليم دلّ الحساب على عدم إمكان الرؤية فيها ، فشهد اثنان أو ثلاثة على رؤيته ، مع احتمال قولهما بجميع ما قدّمناه ، فلا أرى قبول هذه البيّنة أصلا ، ولا يجوز الحكم عليها » .
حاصله إذن أنّه لامكان هنا للعقل ، بل المقام لمعرفة الواقع الكوني .
وقد قال السبكي بصدد واقعة حدثت سنة 748 ه ، حيث قرّر حساب علماء الفلك عدم إمكان رؤية الهلال في دمشق ، فادعيت رؤيته في بلاد قريبة لها داريا وبيسان : « وهي - أي داريا وبيسان - وإن كانت أكثر من مسافة القصر ، لكن لا يقتضي الحساب إمكان الرؤية فيها ، بل حكمها في ذلك حكم دمشق » .
لكن السؤال المتوجّب طرحه هنا هو : ما هي المعايير الفلكيّة الجغرافيّة التي يستند إليها بعض الفقهاء لتقرير الإمكان أو عدم الإمكان ، وبالتالي لإثبات دخول الشهر في بعض البلدان دون البعض الآخر ؟
يبدو أنّهم انقسموا بشأن ذلك إلى فريقين :
- أمّا الفريق الأوّل : فقد اعتبروا البلدان التي دلّ الحساب على إمكان الرؤية فيها ، ويسمّون مجموع هذه البلدان بالمطلع أو الأفق ؛ لأنّ الهلال الطالع يرى في جميعها في الليلة نفسها عند غروب الشمس .
رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 3204
مساهمون: رضا مختاري
ص٣٢٠٤