الهلال وعلماء الفلك
في هذه السنة ( 1960 ) قرّرت كلّ من حكومة باكستان وتونس أن يكون المعوّل في ثبوت الهلال على أقوال الفلكيّين ؛ دفعا للفوضى « 1 » ، ولما يلاقيه الناس من الكلفة والمشقّة ؛ لعدم معرفتهم يوم العيد مسبقا ، فقد يفاجئهم على غير استعداد ، وقد يستعدّون له ثمّ يأتي متأخّرا .
وقد ثار في الأندية والمجالس الدينية نقاش حادّ حول قرار الحكومتين بين مؤيّد ومفنّد .
قال من يناصر القرار : ليس في الدين ما ينافي الاعتماد على قول الفلكيّين ، بل أنّ الآية 16 من سورة النحل :
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
تسنده وتؤيّده .
وقال المعارضون : إنّ القرار يتنافى مع الحديث الشريف : « صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته » حيث إنّ المفهوم من الرؤية هي الرؤية البصرية التي ألفها الناس في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، أمّا الرؤية بالمكبّر والتعويل على الحساب والمنازل فبعيدة عن لفظ الحديث .
والحقيقة أنّ كلّا من الطرفين لم يأت بالحجّة . أمّا الاهتداء بالنجم فالمراد به معرفة الطرق ومسالك البلاد ، لا معرفة الأيّام والأهلّة ، وأمّا حديث الرؤية فإنّه لا يتنافى مع العلم السليم ؛ لأنّ الرؤية وسيلة للعلم ، وليست غاية في نفسها ، كما هي الحال في جميع الطرق الموصلة إلى الواقع ، ولكنّنا نقول : إنّ أقوال الفلكيّين لا تفيد العلم القاطع لكلّ شبهة ، كما تفيده الرؤية البصرية ؛ لأنّ كلامهم مبنيّ على التقريب لا على التحقيق ؛ بدليل اختلافهم وتضارب أقوالهم في الليلة التي يتولّد فيها الهلال ، وفي ساعة ميلاده ، وفي مدّة بقائه .
ومتى جاء الزمن الذي تتوفّر فيه لعلماء الفلك المعرفة الدقيقة الكافية الوافية - بحيث تتّفق كلمتهم ، ويتكرّر صدقهم المرّة تلو المرّة حتّى يصبح قولهم من القطعيات تماما كأيّام الأسبوع ، وأنّ غدا السبت أو الأحد - يمكن والحال هذه ، الاعتماد على قولهم بأنّ رؤية الهلال ممكنة حسب المعتاد ، وعلى من يحصل له العلم أن يعمل بعلمه ، بل يتعيّن على من يحصل له من أقوالهم ، ويجب أن يطرح كلّ ما يخالفهم « 2 » .
هامش
( 1 ) في سنة 1939 كان عيد الأضحى في مصر يوم الاثنين ، وفي السعودية يوم الثلاثاء ، وفي بومباي يوم الأربعاء .
( منه رحمه اللّه ) .
( 2 ) راجع هذا البحث في الجزء الأوّل من كتابنا فقه الإمام جعفر الصادق عليه السّلام فصل ثبوت الهلال ، آخر باب الصوم .
( منه رحمه اللّه ) .