التكليف بالصوم فيه لم يسقط بسبب تعذّر العلم به ؛ لكون ترك الصوم رأسا مخالفة قطعيّة ، وأنّ الاحتياط بصوم تمام السنة لا يكون واجبا ؛ لتعسّره لو لم يكن متعذّرا ، مع استلزامه المخالفة القطعيّة أيضا في صوم الأيّام المحرّمة صومها ، وأنّ القرعة ليست موردا للرجوع إليها ؛ لعدم إحراز كون المورد موردها ، فحينئذ فمع التمكّن من تحصيل الظنّ والعمل به لو لم يعمل بالظنّ وعمل بما يشكّ في كون رمضان أو يظنّ بعدمه يكون من قبيل ترجيح المرجوح على الراجح ، فيتعيّن حينئذ أن يعمل به ، ومع عدم حصوله يجب تحصيله مقدّمة للعمل به .
الأمر الثاني : لا خلاف ظاهرا في أنّه لو لم يظنّ شهرا أصلا تخيّر في كلّ سنة شهرا فيعيّن له شهرا ، وقد ادّعى بعضهم عليه الإجماع « 1 » .
ويدلّ عليه ما قرّرناه من شبه دليل الانسداد للعمل بالظنّ في الأمر الأوّل ، وتقريبه في هذا الأمر عدم جواز ترك الصوم رأسا ؛ لكونه مخالفة قطعيّة محرّمة ، ولا يمكن الموافقة القطعيّة بالاحتياط بالصوم في تمام السنة ؛ لتعسّره ، بل تعذّره مع الابتلاء بالمخالفة القطعيّة في صوم الأيّام المحرّمة ، ولا دليل على اعتبار القرعة في أمثال المقام ، فتعيّن الاكتفاء بالامتثال الاحتمالي ، وهو يحصل باختيار شهر من الشهور ، فيكون مخيّرا في تعيينه حيث لا مرجّح في البين .
وقد يستدلّ بخبر عبد الرحمن المتقدّم في الأمر الأوّل ، بتقريب أنّ المأمور به فيه هو صوم شهر يتوخّاه ، أي يقصده مع التحرّي ، أي الطلب ، وهو صادق على اختيار شهر بعد التحرّي ، سواء حصل له الظنّ أم لا ، ومع عدم حصوله يكون الحكم هو التخيير ، لكن الظاهر من التحرّي هو طلب ما هو أقرب إلى الواقع فيختصّ بالظنّ .
وربما يقال بأنّ الواجب مع التمكّن من تعيين شهر رمضان هو الصيام فيه على نحو تعدّد المطلوب ، أعني وجوب أصل الصوم ووجوب كون الصوم فيه ، ومع تعذّر التعيين يكون الساقط هو التعيين نفسه ، فيكون الباقي هو وجوب صوم شهر عليه بلا تعيين .
ولا يخفى ما فيه من الوهن ؛ لأنّ ما هو الواجب هو صوم شهر رمضان بنحو وحدة المطلوب ، كما يستفاد من قوله تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
« 2 » والعجز عنه عجز مسقط له ، بناء على ما هو التحقيق في القيود من أنّ الأصل فيها القيديّة المطلقة الموجب
هامش
( 1 ) مدارك الأحكام ، ج 6 ، ص 189 .
( 2 ) البقرة ( 2 ) : 185 .