قبلنا : إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقيّة والأندلس ، فهل يجوز - يا مولاي - ما قال الحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الأمصار ، فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا ؟ فوقّع عليه السّلام : « لا تصومنّ الشكّ ، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته » « 1 » .
وتقريب الاستدلال به أنّ النهي عن الصوم لأجل كونه شاكّا من قولهم كالصريح في أنّه لو كان قاطعا برؤية أهل تلك البلدة لكان حكمه حكمهم ، مع أنّها من البلاد البعيدة بالنسبة إلى بلاد الراوي .
ولا يخفى ما فيه ؛ لأنّ الأمر بالرجوع إلى الرؤية مع اختلاف البلاد فيها في إمكانها وعدمه بنفسه دليل على أنّ العبرة في كلّ بلدة برؤية أهله للهلال فيه ، كما يستعلم من نظائره من الليل والنهار ، وإذا اختلف البلاد فيهما تكون العبرة في الليل وجواز تناول المفطر فيه ووجوب الإمساك وحرمة تناول المفطر في النهار بالنسبة إلى كلّ بلد بليله ونهاره ، ويترتّب عليه صيرورة ساعة معيّنة ليلا لبلد كخراسان واشتغل أهله بالإفطار ، مع كون تلك الساعة بعينها نهارا لأهل طهران ، وكون ساعة كذلك نهارا لأهل بلد كخراسان وليلا لبلد آخر كطهران ، حيث إنّ طلوع الصبح في خراسان يتقدّم على طلوعه في طهران .
ولا يمكن أن يقال : طلوعه في بلدة يكون موجبا لترتيب أحكامه في جميع البلدان حتّى فيما لم يطلع بعد ، ولا فرق في اختلاف البلاد في الليل والنهار أو اختلافها في الشهور .
وقد تقدّم إمكان أن يكون يوما واحدا خميسا لواحد وجمعة لآخر وسبتا لثالث ، ومن الغرائب أنّ في الحدائق « 2 » جعل ذلك من اللوازم الفاسدة المترتّبة على كرويّة الأرض ، ولأجله أنكر الكرويّة ، ولعمري لقد كثر احتياج الفقه إلى إسقاط هذه الجمل عنه ويتوقّف على مؤسّس جديد ، واللّه العاصم .
وأمّا خبر محمّد بن عيسى فهو على خلاف ما استدلّ له أظهر ، حيث إنّ محطّ نظر السائل إلى أنّ اختلاف البلدان هل يوجب اختلاف الفرض بحيث يكون صوم بعضهم على خلاف صوم بعض آخر ، وفطر بعضهم على خلاف بعض آخر ، وأجاب عليه السّلام بأنّ كلّا مكلّف ؟ بالصوم والفطر برؤيته ، ومع ضمّ الاكتفاء بالبيّنة تصير النتيجة هو تكليف أهل كلّ بلد بالصوم أو الفطر
هامش
( 1 ) تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 159 ، ح 446 .
( 2 ) الحدائق الناضرة ، ج 13 ، ص 266 .