ولا يخفى ما فيه من الوهن ، بل الإنصاف حذف أمثال هذه الكلمات عن كتب الفقه ؛ لأنّه يكشف عن قلّة اطّلاع قائله على العلوم الطبيعيّة والرياضيّة ، لكن في الحدائق أصرّ على إنكار كرويّة الأرض كلّ الإنكار واستدعى مساعدة التوفيق لكتابة رسالة شافية مشتملة على الأخبار الصريحة في دفع القول بها « 1 » . وهذا كما ترى ، فاختلاف البلاد الشرقيّة والغربيّة في المطالع والمغارب أمر وجداني غير قابل للإنكار .
ومنها : التمسّك بما في دعاء السمات من قوله : « وجعلت رؤيتها لجميع الناس مرءى واحدا » « 2 » بناء على أن يكون المراد به أنّه إذا رئي في بلد يرى في جميع البلاد . وهذا الاستدلال أيضا لا تخلو عن الغرابة ، وكيف يمكن مصادمة الوجدان بظاهر لفظ ظنّي يحتمل فيه وجوه من الاحتمالات من الاتّحاد في الرؤية ، أو المرئي ، أو هما معا ، مع ما في سنده من الإشكال .
ومنها : أنّ القطع بإمكان الرؤية في بلد وعدمه في بلد آخر غير ممكن لأحد ؛ لابتنائه على قواعد رصديّة ، وهي لا تفيد القطع ، غاية الأمر كونها مفيدة للظنّ ، ولا دليل على اعتباره .
وهذا الوجه أيضا لا يخلو عن التعسّف ؛ لإمكان حصول القطع عند العالم بها كما هو كذلك كثيرا ، مع أنّه إذا لم يحصل منها القطع بالاختلاف لا يحصل القطع بالاتّحاد أيضا ، فكيف يصحّ معه الحكم بأنّ الرؤية في بلد موجب لوجوب ما يترتّب عليه على جميع الناس من أهل هذا البلد وغيرهم .
ومنها : ما ذكره بعض من كفاية الرؤية في بلد من البلاد لوجوب الصوم أو الفطر في بلد آخر من المعمورة مع عدم إمكان الرؤية فيه ، وذلك لإطلاق أوامر الصوم بالرؤية والإفطار بالرؤية ، وإطلاق ما دلّ على كفاية الرؤية في بلد آخر من غير تقييد بما لا يكون مختلفا في الأفق ، ولصحيح محمّد بن عيسى المرويّ في التهذيب في « باب علامة أوّل شهر رمضان وآخره ودليل دخوله » ، قال :
كتب إليه أبو عمرو : أخبرني - يا مولاي - أنّه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ، ونرى السماء ليست فيها علّة فيفطر الناس ونفطر معهم ، ويقول قوم من الحسّاب
هامش
( 1 ) الحدائق الناضرة ، ج 13 ، ص 266 - 267 .
( 2 ) مصباح المتهجّد ، ص 417 .