والأولى أن يقال : إنّ تلك الأخبار بأسرها ناظرة إلى الشهور العدديّة التي لم نقل بها ، كما يشهد به التفصيل بين سنة الكبيسة وغيرها في الأخير ؛ فإنّ الكبيسة ليست إلّا في الشهور العدديّة .
نعم ، قد ينافيه قول السائل في خبر الزعفراني : « إنّ السماء تطبق علينا بالعراق اليوم واليومين والثلاثة » « 1 » مشعرا بأنّ المراد السؤال عن الشهر الهلالي .
ولكنّه في كلام السائل وليس في الجواب بما ذكره تقريرا له على ذلك ، بل ربما كان ردعا له ، بناء على الموافقة للعددي خاصّة ، فلا يصلح هو أن يصير قرينة على إرادة الهلالي ولا أقلّ من الاحتمال المسقط للاستدلال .
سلّمنا عدم الاحتمال في خبر الزعفراني خاصّة لأجل ذلك فينحصر الدليل فيه ، وهو وحده ليس بحجّة قطعا .
مع أنّ ما في هذه الأخبار ليس أمرا تعبّديا ، بل إنّما هو دائر مدار الموافقة وعدمها في الخارج ، فإن رأينا الموافقة يجب علينا الأخذ به ولو كان الدالّ عليه خبرا ضعيفا ، وإن وجدنا المخالفة يجب علينا تركه ولو كان الدالّ عليه صحاحا متواترة فضلا عن غيرها ، وقد نظرنا فوجدناه موافقا للعددي دون الهلالي ، فيجب اطّراح ما دلّ عليه ، كسائر ما دلّ على العدد .
وما عن القزويني في عجائب المخلوقات من أنّه اعتبر ذلك خمسين سنة فوجد صحيحا « 2 » ، إنّما أراد ذلك ظاهرا بالنسبة إلى العددي ، وإلّا فهو كذب محض قطعا .
نعم ، قد يشكل ما في خبر السيّاري بأنّ سنة الكبيسة لا تكون هي السنة السادسة دائما ، بل إنّما هي إحدى عشرة سنة في ثلاثين سنة : الثانية والخامسة والسابعة والعاشرة والثالثة عشرة والخامسة عشرة - وعند بعضهم : السادسة عشرة - والثامنة عشرة والحادية والعشرين والرابعة والعشرين والسادسة والعشرين والتاسعة والعشرين .
ويمكن دفعه باحتمال أن يكون المصطلح عند أهل الحساب في ذلك الزمان غير ذلك ، أو يكون المراد تنزيل الرواية على سنين مخصوصة توافق ذلك ، لا أنّه كذلك دائما . فتأمّل جيّدا .
وكيف كان ، فمحمل هذه الأخبار إنّما هو التقيّة لا غير ، كما لا يخفى .
« و » كذا « لا » عبرة أيضا « بغير ذلك » مما تضمّنه بعض النصوص « وإن أفاد » بعضها
هامش
( 1 ) الكافي ، ج 4 ، ص 81 ، باب بدون العنوان ، ح 1 .
( 2 ) عجائب المخلوقات ، ص 113 .