ما يقرّر العلم العادي ، فلا يبعد الاتّباع أيضا .
وكأنّ في صحيحة العيص بن القاسم - قال : سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن هلال إذا رآه القوم جميعا فاتّفقوا على أنّه لليلتين ، أيجوز ذلك ؟ قال : « نعم » « 1 » . - إشعارا به ؛ حيث علّم الحكم بدخول الشهر حينئذ من غير أن يشترط العدالة في القوم ، بل اكتفى بأنّهم قد اتّفقوا على الرؤية حتّى حكموا بأنّه لليلتين ، وقال : يجوز ذلك ، أي جعله من الشهر لا جعله لليلتين ، وما شرط علمه ، بل اكتفى بقوله عليه السّلام : « إذا رآه القوم » .
ولا شكّ في جريان العرف في القول بأنّه رأى القوم إذا حصل له ما قلناه . وأمّا دون ذلك فالظاهر العدم ؛ لثبوت العمل باليقين ، والأصل عقلا ونقلا في الأخبار إلّا بدليل شرعيّ ، خصوصا في مسألة الرؤية ؛ فإنّ في بعض الروايات : « إيّاك أن تخرج عن اليقين » « 2 »
وفي أخرى عنه عليه السّلام : « ومن أدخل يوما من شهر رمضان فيه فلم يؤمن بالله ولا بي » « 3 »
ونفي الاعتبار بخمسين في الأخبار ، مثل ما في آخر صحيحة محمّد بن مسلم ، وزاد حمّاد : « وليس أن يقول رجل : هو ذا هو ، لا أعلم إلّا قال : ولا خمسون » « 4 »
وسيجيء مع غيرها .
والحصر في الأخبار الصحيحة بشهود العدل ، والرؤية في عدّ ثلاثين ، وإيجاب الإكمال في يوم الغيم ، وما يدلّ على النهي عن العمل بالظنّ مطلقا في الكتاب والسنّة .
ولا يمكن الاستدلال على حجّيته مطلقا بأنّه يفيد الظنّ مثل الشاهدين ، أو بأنّه إذا حصل به الظنّ الأقوى من الظنّ الحاصل من الشهود يلزم القول به بالطريق الأولى ؛ لأنّ القياس غير معتبر ، ومفهوم الموافقة موقوف على العلم بعليّة ما يدّعى عليّته ، وبوجوده في الفرع ، وذلك فيما نحن فيه غير ظاهر ، وإلّا يلزم دخول الشياع في جميع ما يدخل [ فيه ] البيّنة .
والظاهر أنّه باطل بالإجماع ، بل بالكتاب والسنّة والعقل ؛ إذ يلزم قتل النفس به وثبوت الزنى والرجم وغير ذلك ، ويلزم أيضا ثبوته بل سائر الأحكام بشهادة النساء إذا أفادت ظنّا أقوى ، مع أنّها منفيّة خصوصا هنا كما سيأتي .
هامش
( 1 ) . الفقيه ، ج 2 ، ص 126 ، ح 1923 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 158 ، ح 441 ، فيه : « صم لرؤيته وأفطر لرؤيته ، إيّاك والشكّ والظنّ . . » .
( 3 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 161 ، ح 454 .
( 4 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 156 ، ح 433 .