إلى دخول الشهر هو عدم تعيين مناط خاصّ لهذه المسألة في كتب النجوم والهيئة .
حيث إنّ الشافعيّة الموافقين لنا في لزوم الاتّحاد في الآفاق التزم بعضهم بأنّ مناط الاختلاف هو مسافة القصر « 1 » وبعضهم بأنّ المناط هو أربعة وعشرون فرسخا ؛ « 2 » كلّ ذلك دعوى بلا دليل وقياس بمسافة القصر في الصلاة ، وأين هذا من ذاك ؟
والذي يسهّل الخطب أوّلا :
أنّ عدم تعيين الآفاق لا يوجب رفع اليد عن الحكم الذي بيّنّا والالتزام بخلافه الذي لا يمكن الالتزام به .
وثانيا : أنّ الاتّحاد والاختلاف في الآفاق بالنسبة إلى رؤية القمر هو الاتّحاد والاختلاف في مطالعه كما عليه العلماء ، ولكن لم ير لأحد منهم تعيين ضابطة كلّيّة للمطالع .
والذي ألهمنا الله تبارك وتعالى في ضبط قاعدة كلّيّة للآفاق المتّحدة بالنسبة إلى مطالع القمر ، هو الاستمداد من زمان غروب القمر في النواحي المختلفة ، وهو الرابطة بين الزمان والمكان : زمان مكث القمر فوق الأفق حتّى يغرب ، والمكان البعيد شرقا عن محلّ الرؤية .
بيان ذلك : أنّ كلّ درجة من مكث القمر فوق الأفق تطول أربع دقائق تقريبا ، لأنّ غروبه إنّما هو بسبب الحركة الوضعيّة للأرض من المغرب إلى المشرق . والأرض تسير نحو المشرق كلّ درجة منها في أربع دقائق .
فإذا فرضنا أنّ البعد المعدّل - الذي هو عبارة عن الفصل بين مغيبي النيّرين - في محلّ الرؤية يكون عشر درجات أحيانا ، ففي هذه الصورة يغرب القمر بعد أربعين دقيقة ، بمعنى أنّ الأرض تسير نحو المشرق عشر درجات طولا في مدّة أربعين دقيقة حتّى تخفي القمر تحتها ، وبهذه الحركة يصير محلّ الرؤية بعيدا عن المدار بقدر أربعين دقيقة ، ويصل إلى محلّ لم ير القمر حين يراه جميع البلاد التي قبله .
فالبلاد الواقعة بين محلّ الرؤية والمحلّ الذي يكون طوله نحو المشرق أربعين دقيقة ،
هامش
( 1 ) . التزم به الشيخ يوسف الأردبيليّ الشافعيّ في كتابه : الأنوار لأعمال الأبرار في ص 228 من الجزء الأوّل ؛ والرافعيّ ، كما في حاشية الحاجّ إبراهيم لهذا الكتاب المطبوعة بذيل نفس الصفحة .
( 2 ) . كما في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 1 ، ص 434 ، مستدلّا بأنّه هو البعد الحاصل لاختلاف مطالع القمر .