ونضيف إلى ذلك كلّه : أنّ هذا الحمل ليس له معنى محصّل ؛ لأنّ البلاد القريبة إذا أريد بها البلاد المتّصلة أو كالمتّصلة بالبلد والتي تكون من أطرافه وحواليه فهذا من الواضح أنّه لا يمكن حمل عنوان « مصر آخر » عليه ، ولا يظنّ إرادة المشهور لذلك . وإن أريد بها البلاد التي تبعد عن البلد مسافة عرفا بحيث يصدق عليها أنّها أمصار أخرى فمن الواضح أنّ رؤية الهلال في الأمصار الأخرى لا تستلزم رؤيته في البلد في كلّ شهر ولو كانت قريبة خصوصا إذا كان غريبا بالنسبة إلى البلد ؛ لما أشرنا إليه من أنّ إمكان الرؤية للهلال في كلّ شهر بالنسبة لبقاع الأرض ليس على وتيرة واحدة وفي بقاع معيّنة في تمام الشهور القمرية ، بل يختلف من شهر إلى شهر . فقد تكون دائرة إمكان الرؤية في شهر من الشهور تنتهي إلى حدّ ذلك البلد الغربي القريب من بلدنا ، فلا يكون إمكان الرؤية فيه مستلزما لإمكانها في بلدنا .
وهذا يعني أنّه لا يكفي حمل هذه الروايات على البلاد القريبة ، بل لا بدّ إمّا من الاقتصار على رؤية الهلال في البلد وما يتّصل به من الأحياء ، وهذا إلغاء لهذه الروايات جميعا ، أو الاستعانة بالهيئة ونحوها لإحراز الدائرة من البقاع الأرضية التي يمكن أن يرى فيها الهلال في كلّ شهر ، فلا يحكم بدخول الشهر فيما يخرج عنها ولو كان قريبا ، بخلاف ما يقع فيها ولو كان بعيدا عن بلد الرؤية ، وحمل الروايات على مثل ذلك كما ترى .
ثمّ إنّه قد يناقش في أصل صحّة هذا النهج من الاستدلال بالروايات في المقام بما أفاده بعض المعاصرين « 1 » بقوله :
ولا يمكن التمسّك بالإطلاق لرفع هذا الشكّ وإثبات أنّه لا يختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع ؛ فإنّ هذا أمر تكويني عبّر عنه بالظاهرة الكونية ، ولا مجال لإثبات الأمور التكوينية بالإطلاقات ، بل لا بدّ من مراجعة الفنّ المربوط بهذا الأمر ، وتحقيق أنّه هل يختلف الخروج عن المحاق باختلاف البقاع أو لا يختلف من العلم المدوّن له .
إن قلت : الأمر التكويني وإن لا يثبت بإطلاق الدليل الشرعي إلّا أنّ الإطلاق يثبت حكم ذلك الأمر . فلو قال الشارع : « إنّ الفقّاع خمر » يثبت حكم الخمر للفقّاع وإن لا يثبت خمريّة الفقاع ؛ فإنّه من الأمور التكوينية . وفي ما نحن فيه لو قال الشارع : « فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه » يثبت حكم وجوب القضاء وإن لا يثبت أنّ اليوم الذي أفطر
هامش
( 1 ) . هو آية الله القديري ( حفظه الله ) في رسالته السابقة برقم 29 .