بلدنا في المساكن الغربيّة وأكثر من ساعات بلدنا في المساكن الشرقيّة ، فعرفنا أنّ غروب الشمس في المساكن الشرقيّة قبل غروبها في بلدنا ، وغروبها في المساكن الغربيّة بعد غروبها في بلدنا . ولو كانت الأرض مسطّحة لكان الطلوع والغروب في جميع المواضع في وقت واحد ؛ ولأنّ السائر على خطّ من خطوط نصف النهار على الجانب الشمالي يزداد عليه ارتفاع القطب الشمالي وانخفاض الجنوبي ، وبالعكس . « 1 »
وواضح من هذا الاستدلال أنّ المسألة عند المشهور - كما أفاد الأستاذ قدّس سرّه - مبتنية على قياس طلوع الهلال على طلوع الشمس وغروبها نتيجة كرويّة الأرض ودورانها حول نفسها . وقد عرفت أنّ المسألة غير مبتنية على ذلك ، بل مبتنية على أمر آخر تقدّم مفصّلا فلا نعيد .
وقال بعض المعاصرين في شرحه لمنهاج الصالحين :
ولقائل أن يقول : إنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الحكم بالصوم والإفطار قد رتّب على رؤية الهلال ، غاية الأمر الرؤية طريق إلى ثبوت الموضوع وليست لها موضوعيّة في إثبات الحكم ، فلو فرض عدم إمكان الرؤية لم يكن الموضوع متحقّقا .
وبعبارة أخرى : الظاهر من الأدلّة أنّ الرؤية بنحو الطريقيّة أمارة لكلّ صقع من بقاع الأرض ، ومع عدم إمكان الرؤية يكون موضوع الحكم منتفيا ومع انتفاء الموضوع لا يكون الحكم متحقّقا . والذي يدلّ على هذه المقالة أنّ العرف يفهم من نصوص الباب إمكان الرؤية في كلّ موضع بالنسبة إلى أهله لا رؤيته على الإطلاق ، ولذا يكون هذا القول قولا غير مشهور ويحتاج إثباته إلى الاستدلال وإقامة البرهان .
وإن شئت قلت : لا إشكال في حجّيّة الظواهر ولا إشكال ظاهرا في أنّ قوله عليه السّلام : « صم للرؤية وأفطر للرؤية » يستفاد منه أنّ ظهور الهلال وقابليّته لرؤيته في البلد يحقّق الشهر الجديد بالنسبة إليه وهكذا والعرف ببابك « 2 » .
ولا نحتاج إلى مزيد تعليق على هذا الاستدلال في ضوء ما تقدّم ؛ لوضوح أنّ روايات الأمر بالصوم أو الإفطار للرؤية لا دلالة فيها على شرطية الرؤية في البلد لتحقّق الشهر لكونها - بناء على طريقية الرؤية فيها كما اعترف به المستدلّ ، وبالقرائن الأخرى فيها - ناظرة
هامش
( 1 ) . إيضاح الفوائد ، ج 1 ، ص 252 .
( 2 ) . مباني منهاج الصالحين ( لآية الله السيّد تقي الطباطبائي القمي ) ، ج 6 ، ص 226 - 227 .