والصين ، فالمناسبة لبدإ كلّ من الشهر شروق كلّ من النيّرين على أوّل بلد .
ومن هنا يظهر سرّ انتفاخ القمر في الليلة الأولى من الشهر الهلالي في بعض البلدان ، وطول مكثه بعد الشفق الغربي ، وكذا تطوّقه وارتفاعه عن الأفق مع أنّه يرى للمرّة الأولى .
ووجه الظهور أنّ البلد الذي يرى فيه الهلال بأحد هذه الأوصاف ليس أوّل بلد يرى فيه الهلال ، بل يكون من أواخر البلدان رؤية للهلال ، أي أنّه قد دار من أوّل بلد رئي فيه حتّى وصل إلى هذا البلد وكاد أن يتمّ دورته الأولى ، وبطبيعة الحال يكون القمر قد ابتعد أكثر عن الشمس ، فازداد المقدار المضيء منه ، بخلاف أوّل بلد رئي فيه ، حيث كان أوّل خروجه من تحت الشعاع إلى بعد يكاد ويمكن أن يرى .
ومن هنا وردت الروايات الكثيرة في ردّ الاعتبار بهذه الأوصاف للهلال في كشفه عن كون الليلة الماضية أوّل الشهر ، وشدّدت على كون الصوم للرؤية ، والفطر للرؤية .
ففي صحيحة عليّ بن راشد قال :
كتب إليّ أبو الحسن عليه السّلام كتابا وأرّخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان ، وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائتين ، وكان يوم الأربعاء يوم شكّ ، فصام أهل بغداد يوم الخميس وأخبروني أنّهم رأوا الهلال ليلة الخميس ، ولم يغب إلّا بعد الشفق بزمان طويل ، قال :
فاعتقدت أنّ الصوم يوم الخميس وأنّ الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء ، قال : فكتب إليّ : « زادك الله توفيقا فقد صمت بصيامنا » قال : ثمّ لقيته بعد ذلك فسألته عمّا كتبت به إليه ، فقال لي : « أولم أكتب إليك إنّما صمت الخميس ، ولا تصم إلّا للرؤية » « 1 » .
نعم ، هذه الأوصاف إن كانت بنحو خفيف تكون دالّة على أنّ أوّل بلد هلّ فيه القمر هو من جهة مشرق بلد المكلّف وسابق على هذا البلد ، ومن هنا لا اعتبار بها مطلقا ، سواء بالنحو الأوّل أو الثاني .
والعجب ممّن جعل تكوّن الهلال أمرا واقعيّا وحدانيّا لا يختلف فيه بلد عن بلد وصقع عن آخر ، بخلاف الزوال والغروب والفجر فإنّه نسبيّ .
فإن أريد من وحدانيّته هو دورانه على كلّ الأصقاع ، بحيث يرى دور شخصي واحد ليكوّن
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 167 ، ح 475 ؛ وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 281 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 9 ، ح 1 .