فدفعنا الوهم بأنّ بداية النهار غير بداية الشهر ؛ إذ الطلوع ظاهرة أفقيّة تحدث من حركة الأرض الوضعيّة ، فتجدّد لها آفاق تجاه الشمس ، فيتعدّد لا محالة نهار لكلّ أفق ، فلا يكون نهار قوم نهارا لمن لم يخرج بعد من ظلام الليل ، وليس هكذا الهلال ؛ فإنّه حادث سماويّ يحدث من ابتعاد القمر عن تحت الشعاع عدّة درجات بالقياس إلى سكّان الأرض يبدو لهم منه قوس الهلال .
ولذا ترى في واقعنا الذي نعيش فيه لو رئي الهلال في أفق من الأرض كإسبانيا - على ما مثّلت - ولم ير في طهران ، لا يصحّ أن يقال : صار القمر هلالا في إسبانيا ولم يصر هلالا في طهران حين يصحّ أن يقال : صار الوقت نهارا هنا ولم يصر بعد نهارا هناك ؛ وذلك لارتباط النهار بهما وعدم ارتباط الهلال بأيّ منهما إلّا في الرؤية لا الهلاليّة ، فالقمر حينئذ هلال لإسبانيا ولطهران ولأيّ أفق خيّمت عليه ليلة الرؤية . هذا ما أردنا من حديث بداية الخروج لبداية الشهر .
أمّا بداية الحساب فلا بدّ أن تكون من أوّل الليل ليلة الرؤية مهما تحقّق الخروج حتّى يعلم بوجوده في السماء بالرؤية التي هي الطريق العامّ الوحيد في سهولة التناول لكلّ أحد ، ولا تكون غالبا إلّا في أوّل الليل أو قريبا منه ، فيتّخذونه بداية لأوقات شهورهم ،
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 1 »
فمواقيت الناس من الشهر تبدأ عندهم من أوّل ليل يرى فيه الهلال ، والشارع قرّرهم عليه في أحكامه أيضا ، يشهد له قول الصادق عليه السّلام في صحيح حمّاد : « إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو للّيلة الماضية ، وإذا رأوه بعد الزوال فهو للّيلة المستقبلة » . « 2 »
ونحوه غيره ، حيث أضاف الهلال إلى الليل وإن اتّفقت الرؤية نادرة في اليوم ، فنحن أيضا لا نعدو عن ذلك ولا نختلف مع المشهور أو معك فيه .
وأمّا النقد بأن لو كان ملاك البداية ما ذكر ، فلا بدّ أن يعمّ جميع الآفاق ولا يختصّ بالفوق من الأرض . . . فيدفعه أنّ المزيّة ما قرّرنا من أخذ البداية من الليل ليل الرؤية ، والليل الذي رئي فيه إنّما هو الظلّ الواحد للنصف الجانبي المعاكس لواجهة الشمس كما أنت خبير به ، وهذا ليس لجميع الآفاق ، بل للنصف الفوق ، والنصف الآخر نهار في أوقاته
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 189 .
( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 280 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 8 ، ح 6 .