وقد استدلّ له بوجوه : منها : السيرة ، وصحيحة محمد بن قيس ، ومقبولة عمر بن حنظلة ، والتوقيع الشريف الذي يعدّ الأساس في فتح الأبواب .
الوجه الأوّل : السيرة في الرجوع إلى الحكّام
والبحث فيها يستدعي بسطا من الحديث تعرّضنا له في مباحث الأصول ، ولكن يكفي ملخّصا أنّ نقول : إن المنشأ الذي يمكن أن يستكشف منه السيرة تارة : يكون رواج الأمر وانتشاره بين الناس من غير نكير ، وأخرى : طواعية الناس له في سيرهم الاجتماعية ، وثالثة :
إطباقهم وإجماعهم القولي أو العملي بحيث لو تخلّف منهم أفراد يحملون على الشذوذ بسبب مخالفتهم لجهة التيّار وسيرهم عكس الحركة الجماعية .
ولكن اتّباع الأكثرية أو استكشاف حجّية أمر معيّن بمجرّد كون عمل الناس عليه ليس من الأمور التي تكون قياساتها معها ، بل هو ممّا يحتاج إلى مصحّح ودليل .
فكم أطبقت مجتمعات سنين متمادية على أمور باطلة أو قبيحة وأشدّها شناعة قتل الأنبياء عليهم السّلام وانتهاك حرمتهم . ولما ذا أهلك الله سبحانه أمما بأجمعها ، وهو العدل الحكيم ؟ !
ألم يكونوا بين مظهر للعناد والكيد بالصالحين من الرسل والأنبياء عليهم السّلام وبين راض .
وقد ذمّ القرآن الكريم في كثير من آياته المباركة ما عليه الناس من اتّباع الباطل والخوض مع الخائضين وإلغاء الناس معالم العقل وتحكيم الشهوات ، إلى غير ذلك :
قال تعالى :
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
« 1 » . وقال :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
« 2 » . وقال :
فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً *
« 3 » . وقال :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ
« 4 » . وقال :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
« 5 » . وقال :
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ *
« 6 » . وقال :
هامش
( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 103 .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 116 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 89 .
( 4 ) . الفرقان ( 25 ) : 44 .
( 5 ) . الأنعام ( 6 ) : 111 .
( 6 ) . الحجرات ( 49 ) : 4 .