الأمارة الرابعة : التواتر والشياع
ذكر في العروة أنّ من طرق إثبات الهلال التواتر ، والشياع المفيد للعلم .
أمّا التواتر فهو وإن كان لا ينكر عند الارتكاز العقلائي إلّا أنّه ليس حجّة بذاته وإنّما الحجّية الذاتية للعلم . والتواتر من مبادي حصول اليقين ، فإن حصل العلم واليقين منه فهو الحجّة ، وإلّا فالتواتر بنفسه ليس بحجّة . وأمّا الشياع فهو أولى بالمناقشة فإن حصل العلم القطعي منه فلا كلام لنا فيه ، وإلّا فمجرّد انتشار أمر ما في البلاد وشيوعه لا يكفي في التعويل عليه ، فكم راجت قضايا تبيّن كذبها « 1 » !
الأمارة الخامسة : رؤية الهلال في النهار
من جملة الطرق التي ادّعي ثبوت الهلال بها رؤيته في النهار . وقد أفتى به بعضهم ؛ تعويلا على روايات وردت في المقام منها مطلقة ومنها مفصّلة بين رؤيته قبل الزوال وبعده ، مع الاعتراف منهم بأنّ هذا مجرّد فرض نادر التحقّق أو لا يكاد يقع .
فمنها : صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام قال :
قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « إذا رأيتم الهلال فأفطروا ، أو شهد عليه عدل من المسلمين ، وإن لم تروا الهلال إلّا من وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام إلى الليل « 2 » » .
ومنها : صحيحة إسحاق بن عمّار قال :
سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن هلال رمضان يغمّ علينا في تسع وعشرين من شعبان ؟ فقال :
« لا تصمه إلّا أن تراه ، فإن شهد أهل بلد آخر أنّهم رأوه فاقضه ، وإذا رأيته من وسط النهار
هامش
( 1 ) . أراد بذلك التنبيه على ما يوهم التواتر في بعض الموارد بينما هو مجرّد تتابع وتعاقب ، وكأنّ مدّعيه خلط بين المعنى اللغوي والاصطلاحي الذي يعني إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب ، كما يمنع كونهم في تشخيص القضيّة . وكثيرامّا كان يشير ( حفظه الله ) إلى تأثّر الحركة الجماعية بالعناوين والشعارات البرّاقة ممّا يسبّب عدم الدقّة في فهم الحوادث ، واختلاط الأوراق . ومجرّد رواج أمر وانتشاره بين الناس لا يصحّح حجيّته ؛ فإنّ المجتمع وإن كان ظاهره الصلاح ولكنّه قد يخطئ في تشخيص الظاهرة . وقد استفدنا هذا من تحقيق شريف له حول كلمة أمير المؤمنين عليه السّلام « . . . وباقي الناس همج رعاع ، ينعقون مع كلّ ناعق » .
( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 278 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 8 ، ح 1 .