والعلم بحدود الأحكام - زمانا ومكانا ووصفا وحالا ، شأنية كانت أو فعلية - إنّما يستكشف من مقام الإثبات والدليل فحسب .
وكون الحكم الشرعي عامّا أو مطلقا مرّة ، وخاصّا ومقيّدا مرّة أخرى ، لا ينافي فطريّة الأحكام ودائميّتها بالمعنى الذي أشرنا إليه ، فقد تحكم بعض الظروف أن يطلق الحكم في فترة معيّنة حسب تماميّة المقتضيات وكمال المصالح وعدم الموانع من ترتّب لوازم فاسدة ونحوها ، ثمّ يأتي المقيّد والمخصّص إيذانا بمزاحمة مصلحة أخرى أقوى ، أو بانتهاء أمد ذلك الحكم ، نظير ما قيل في مبحث النسخ والبداء .
ثمّ إنّ في الآية التي هي محلّ البحث شاهدا على التعميم وهو قوله :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
. فإنّ الابتعاد عن المحاذير واتّخاذ التقاة والجنّة لا يختصّ بزمان دون زمان ، ولا بشخص دون آخر . وتمام التحقيق في محلّه من المباحث التفسيريّة .
المقام الثالث : حول حدود حكم الصيام المفروض
لمّا كانت النفوس تسعى بطبعها نحو الاستقلالية ، وترفض القيود تجدها تبحث عمّا يخفّف عنها وطأة العبوديّة من مقيّد زماني أو مكاني أو أفرادي أو حالي للحكم الصادر من المولى .
والصوم من المسائل التي تحدّ من حرّية الشهوات الحيوانية التي تجري مجرى دم الإنسان وتمتلك عليه عقله ، ولهذا كان من الطبيعي أن يفتّش المكلّف عن مقيّد لهذا الحكم . والخطاب وإن جاء عامّا لجميع المؤمنين في بداية الآية دالّا على مطلوبيّة الصوم وفضله حتّى من غير البالغين « 1 » ولكنّه قيّد فعليّة الحكم بعدم السفر والمرض في استثناء متّصل بقوله :
وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
« 2 » وأردف ذلك بكلام مستهلّ معطوف بقوله :
أَوْ عَلى
هامش
( 1 ) . فإنّ غير البالغ إن كان مميّزا يشمله الخطاب القرآني :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا *ونحوه ، وإنّما قامت الأدلّة على رفع اللزوم عنه ، وأمّا أصل التشريع فهو ثابت في حقّه ، ولا مانع من تحقّق الإيمان من الصبيّ المميّز غير البالغ بل هو واقع . وبهذا يمكن تصحيح شرعيّة عبادة الصبيّ ، وهو تحقيق اعتمده السيّد الأستاذ فيما يرتبط بهذه المسألة المهمّة التي أثارها أعداء أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السّلام .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 185 .