بعد باق في نطفة الاستعداد ، محبوس في رحم المحاق ، مظلم محجوب تحت ظلمات ثلاث :
ظلمة المحاق ، وظلمة تحت الشعاع ، وظلمة الخفاء في الآفاق ، فهل هذا إلّا من أخيلة وهميّة ؟ !
فأين كنت يا للقرآن العظيم ! ؟ إذ ناديت بصوتك المعجز الدائم الباقي العامّ لكلّ فرد في العالم :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
.
فهل يكون القمر في المحاق - ولمّا يسمّ هلالا - ميقاتا للناس ، مبدءا لعباداتهم ومعاملاتهم وحجّهم وتاريخهم ؟ وهل يدرك العالم والعامّيّ ، الحضريّ والبدويّ ، هذا المبدأ الوهميّ ، ويجعل مبدأ لتاريخه ؟ وهل يكون هذا معنى الشريعة السمحة السهلة ، يباهي بها أهل الإسلام كافّة المذاهب والمكاتب في العالم ؟
ألا وإنّ نتائج قلّة التأمّل ، والمبادرة إلى رأي لا يستقيم على أصول متينة ، ممّا يضيق عن الإحاطة بها نطاق البيان .
ثمّ إنّ المجيب ( حفظه الله ) نهض على كسر صولة هذه المشكلة ، بالاستناد إلى المرتكزات العرفيّة ، مردّدا بأنّ العرف إن اكتفى في دخول الشهر الجديد بخروج الهلال عن تحت الشعاع بنحو قابل للرؤية في نقطة مشتركة معنا في الليل ، ولو كان المقدار الباقي منه عندنا أقلّ منه في تلك النقطة ، فقد تطابق المستفاد من الروايات والمرتكزات ؛ وإلّا فلا أقلّ من أن يكون الحكم الشرعيّ بوجوب الصيام بمقتضى الروايات المذكورة منوطا بذلك . لأنّه لا إشكال في عدم وجود ارتكاز معاكس على الخلاف ، كي يتجرّأ به أن يرفع اليد عن مقتضى ظهور أدلّة الباب ، المتمثّلة في الروايات الخاصّة التي استند إليها في اختيار القول بعدم لزوم الاشتراك في الآفاق .
ولا يخفى ما فيه من اتّهام العرف بوجود هذا الارتكاز أو عدم وجود الارتكاز المعاكس .
لأنّ العرف لا يقبل أبدا اشتراك نقطة بعيدة عن نقطة الرؤية باثنتي عشرة أو عشرين ساعة مثلا في دخول الشهر الجديد .
ولا يلتزم بتّا بأحكام الشهر القادم من أوّل الليل المنوط بخروج القمر عن تحت الشعاع ، مع أنّه بعد في المحاق ؛ ومن ادّعى فقد كابر ، والعرب بالباب .
وأنت يا أيّها المجيب ! سل نفسك بما أنّها من العرف ، لا بما أنّها متّهمة في حدسها : هل