لأنّ للرؤية بمعنى الإبصار الحسّيّ خصوصيّة ليست في غيرها من طرق الانكشاف . فإذا وردت في موضوع دليل عرفيّ أو شرعيّ ، ظاهره دخالة هذه الخصوصيّة في استجلاب الحكم . فلا بدّ من الأخذ بها وجعلها قيدا يدور الحكم معها وجودا وعدما ، إلّا إذا دلّت قرينة خاصّة على عدم دخالتها فيه .
ولعلّ المدّعي نظر إلى القرائن الخاصّة في موارد شخصيّة ، ثمّ توهّم منها كثرتها إلى حدّ يصرف الكلام عن ظهوره في التقييد . أو نظر إلى الرؤية التي هي من أفعال القلوب وهي بمعنى العلم ؛ مثل ما ورد في حديث رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع سلمان الفارسيّ في أشراط الساعة المرويّ عن تفسير القمّيّ « 1 » ، ونظائره ؛ فتوهّم أنّ الرؤية الحسّيّة أيضا كذلك ، وهذا توهّم باطل ، ولكلّ منها حكم غير ما للآخر .
هذا على العموم ؛ وأمّا في المقام فيضاف إلى ذلك أوّلا :
كثرة الروايات التي دلّت على دخالة الرؤية من الفريقين عن رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكذلك تواتر الروايات الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهم السّلام الصريحة في دخالتها ؛ فقد ذكر بعض الأعلام من المشايخ أنّها أكثر من أن تعدّ وتحصى . وقد فهموا منها مدخليّة الرؤية بلا نكير ، وهم من أهل اللسان ، عارفون بأساليب الكلام . وذكر في بعضها دخالة الرؤية وحصرها في ثبوت الهلال بلسان النفي والإثبات ، مثل قوله عليه السّلام : « لا تصم إلّا أن تراه » وقوله عليه السّلام : « لا تصم إلّا للرّؤية » ؛ وأدلّ منهما قوله عليه السّلام : « إنّه ليس على أهل القبلة إلّا الرّؤية ، وليس على المسلمين إلّا الرّؤية » « 2 » .
فهب أيّها المجيب ! أنّ الشارع يريد مدخليّة الرؤية بنحو الموضوعيّة لا الكاشفيّة المحضة في مقام الثبوت ، فهل يتصوّر جملة بليغة أو كلام بليغ ، أبلغ من هذا الذي أفاده في مقام الكشف عمّا أراده ، في مقام الإثبات ؟ فقل لنا ( ساعدك الله ) : بأيّ كلام يفهمنا ؟ وبأيّ عبارة ينبّهنا ؟
والعجب كلّ العجب أنّه اعترف في آخر كلامه بأنّ المستفاد من روايات الصوم الأوّليّة ،
هامش
( 1 ) . تفسير القميّ ، ج 2 ، ص 431 . ورواه العلّامة الطباطبائيّ ( مدّ ظلّه السامي ) في الميزان ، ج 5 ، ص 432 - 435 ، في ضمن بحثه المختلط من القرآن والحديث المبدوّ من ص 428 .
( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 10 ، ص 255 ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب 3 ، ح 12 .