قبلا ، من المشاهدة والسماع وغيرهما ممّا يوجب الاطمئنان بدوا ، ولكن بالتروّي والتثبّت والتأنّي ربّما يزول ؛ كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا
« 1 » ، ففي المجمع : « أي إذا سافرتم وذهبتم للغزو فتبيّنوا ، أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تعجلوا فيه » . « 2 »
وفي قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
« 3 » ، وهاهنا بمعنى التحقيق والتثبّت والفحص في الأطراف ، حتّى ينجلي جميع جوانب الأمر بكمال الوضوح .
ولهذا فسّره في تاج العروس بالتثبّت في الأمر والتأنّي فيه . « 4 »
والسرّ في ذلك أنّ الذهاب للغزو والدفاع المستلزم للقتل والجرح وذهاب الأموال والأسر ، أمر مهمّ في الغاية ، لا يعتمد فيه على العلم الحاصل في بادئ النظر والاطمئنان المستفاد من القرائن البدويّة ، بل لا بدّ من التحقيق الكافي والفحص الوافي . وهذا معنى التبيّن الوارد في موضوع الدليل .
وبهذا يعلم أنّ الاستناد بقول المنجّمين في تعيين طلوع الفجر ، والبناء على أقوالهم في الصلاة والصيام غير تامّ ؛ لأنّ الله تبارك وتعالى جعل الغاية في الأكل والشرب في ليالي شهر رمضان تبيّن النهار ووضوحه قبالا للّيل ، فقال :
كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
« 5 » ، بحيث يتشخّص في امتداد الأفق مثل الخيط الأبيض من طلوع الصباح ، ويتميّز عن ظلمة الليل الممتدّة في السماء إلى هذه الناحية .
ففي الكافي روى الكلينيّ قدّس سرّه بإسناده عن الحلبيّ قال : سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فقال : « بياض النّهار من سواد اللّيل » - الحديث . « 6 »
ورواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن الكلينيّ . « 7 »
هامش
( 1 ) . النساء ( 4 ) : 94 .
( 2 ) . مجمع البيان ، ج 3 ، ص 95 ، ذيل الآية الشريفة .
( 3 ) . الحجرات ( 49 ) : 6 .
( 4 ) . تاج العروس ، ج 9 ، ص 151 ، « ب ي ن » ، طبعة المطبعة الخيريّة .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 187 .
( 6 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 98 ، باب الفجر ما هو . . . ، ح 2 .
( 7 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 184 ، ح 513 .