وأنت بالتأمّل في ما أفاده قدّس سرّه تعرف مواضع من الدليل على لزوم الرؤية وعدم كفاية نفس الخروج عن تحت الشعاع . فلو كانت الرؤية كاشفة صرفة وطريقا محضا لكان جميع ما أفاده لغوا عبثا ، ولكان الخروج بدون الرؤية موضوعا للحكم .
فقد عرفت أنّ الآية والسنّة تدلّان على لزوم الرؤية ، وهذا عين معنى الجزئيّة . وأمّا السنّة ، فهي بخلاف ما أفدت أدلّ . وما ادّعيت من الأمر بالصوم للرؤية لأجل لزوم إحرازه لخصوص شهر الصيام ، دعوى منك . وعدم جواز الاكتفاء بالامتثال الظنّيّ أو الاحتماليّ كما في صحيحتي ابن مسلم والخرّاز وموثّق ابن عمّار ورواية القاسانيّ ، صحيح ولكن لا تدلّ على أزيد من عدم جواز الاكتفاء بالظنّ والشكّ ؛ ولا تنفي موضوعيّة الرؤية ولا تثبت طريقيّتها المحضة وكاشفيّتها الصرفة .
وأمّا قولك ب « اعتبار البيّنة مقام الرؤية ، فلو كانت جزءا بنحو الصفتيّة لما استقام قيام البيّنة مقامها . » ، فعجيب منك . لأنّ استحالة قيام البيّنة مقام القطع الموضوعيّ بنحو الصفتيّة ، إنّما هي في ما إذا كان قيامها مقامه بنفس أدلّة حجّيّتها واعتبارها ؛ لا في ما إذا دلّ دليل خاصّ على القيام .
صرّح بذلك شيخنا الأنصاريّ قدّس سرّه « 1 » ، وكلّ من تأخّر عنه حتّى في زماننا هذا من مشايخنا ( قدّس الله أسرارهم ) .
وهذا هو الذي صرّحت به نفسك الشريفة في مجلس البحث . فكأنّي الآن أسمع كلامك ، حيث أفدت بقولك :
إنّ الأمارات بنفس دليل حجّيّتها تقوم مقام القطع الطريقيّ المحض ، وهذا ممّا لا ريب فيه بل لا معنى لحجّيّة الأمارات إلّا هذا .
كما لا ريب في عدم قيامها بدليل حجّيّتها مقام القطع الموضوعيّ على وجه الصفتيّة .
وليس هذا لأجل استحالة ذلك ، لأنّ موضوعات الأحكام بيد الحاكم ، فكما يمكن أن يرتّب الحكم على خصوص القطع يمكن أن يرتّبه على الأعمّ منه ومن موارد قيام الأمارة ؛ بل لأجل عدم نهوض أدلّة حجّيّتها بذلك ، فإنّ أدلّتها ناظرة إلى إثبات الواقع وترتيب آثار الواقع ، وليست ناظرة إلى أنّه يترتّب على الأمارة ما يترتّب على القطع من حيث كونه صفة خاصّة قائمة بنفس القاطع . انتهت الإفادة .
هامش
( 1 ) . فرائد الأصول ، ج 1 ، ص 34 .