قال الشيخ الطوسيّ في التهذيب ردّا على أصحاب العدد :
والذي يدلّ على ذلك قول الله عزّ وجلّ :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
؛ فبيّن الله تعالى أنّه جعل هذه الأهلّة معتبرة في تعرّف أوقات الحجّ وغيره ممّا يعتبر فيه الوقت ، ولو كان الأمر على ما يذهب إليه أصحاب العدد لما كانت الأهلّة مراعاة في تعرّف هذه الأوقات إذ كانوا يرجعون إلى العدد دون غيره ؛ وهذا خلاف التنزيل .
والهلال إنّما سمّي هلالا لارتفاع الأصوات عند مشاهدتها بالذكر لها والإشارة إليها بالتكبير أيضا والتهليل عند رؤيتها . ومنه قيل : استهلّ الصبيّ ، إذا ظهر صوته بالصياح عند الولادة . وسمّي الشهر شهرا لاشتهاره بالهلال .
فمن زعم أنّ العدد للأيّام والحساب للشهور والسنين ، يغني في علامات الشهور عن الأهلّة ؛ أبطل معنى سمات الأهلّة والشهور الموضوعة في لسان العرب على ما ذكرناه .
ويدلّ على ذلك أيضا ما هو معلوم كالاضطرار غير مشكوك فيه في شريعة الإسلام من فزع المسلمين في وقت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن بعده إلى هذا الزمان في تعرّف الشهر إلى معاينة الهلال ورؤيته .
وما ثبت أيضا من سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه كان يتولّى رؤية الهلال ويلتمس الهلال ويتصدّى لرؤيته . وما شرّعه من قبول الشهادة عليه والحكم في من شهد بذلك في مصر من الأمصار ومن جاء بالخبر به عن خارج الأمصار ، وحكم المخبر به في الصحّة وسلامة الجوّ من العوارض ، وخبر من شهد برؤيته مع السواتر في بعض الأصقاع .
فلو لا أنّ العمل على الأهلّة أصل في الدين معلوم لكافّة المسلمين ، ما كانت الحال في ذلك على ما ذكرناه ، ولكان اعتبار جميع ما ذكرناه عبثا لا فائدة فيه ؛ وهذا فاسد بلا خلاف .
فأمّا الأخبار في ذلك فهي أكثر من أن تحصى ، لكنّي أذكر منها قدر ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى - انتهى . « 1 »
ثمّ ذكر الروايات الدالّة على لزوم الرؤية .
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 154 - 155 .