الاستدلال عن درجة البرهان المؤلّفة مقدّماته من الأوّليّات والمشاهدات والفطريّات والتجربيّات والمتواترات والحدسيّات ، ويسقطه إلى حدّ الشّعر .
مع أنّا لم نفهم معنى محصّلا لقولك : « على أقلّ تقدير » . فهل يمكن اختلاف الشهر بأزيد من ليلتين حتّى يكون أقلّ تقديره يرسم لنا أربعة وعشرين شهرا ؟
هذا كلّه جواب عمّا أوردته على نقودنا على دليلك الأوّل ، وهو تحقّق الشهر بنفس خروج القمر عن تحت الشعاع .
وأمّا ما أفدت من تضعيف حكومة البيّنة على أخبار الرؤية ،
على تقدير كون الرؤية جزءا للموضوع على وجه الصفتيّة ، بأنّ الرؤية كاشفة محضة جعلها الشارع طريقا إلى تحقّق الشهر لأتمّيّتها وأسهليّتها وأعمّيّتها ، وليس لها دخل في تحقّق الشهر ؛ وبذلك حاولت منع انصراف الإطلاقات الواردة بوجوب قضاء الصوم إلى البلاد القريبة ؛ بإسقاط مدخليّة الرؤية ، وما ذكرت من أدلّة وشواهد على كاشفيّة الرؤية المحضة وطريقيّتها الصرفة ؛ فيرد عليه وجوه من الإيراد . توضيح ذلك :
أنّ المراد من الجزئيّة ، مدخليّة الرؤية في تحقّق الشهر ، المستفادة من النصوص المعتبرة الكثيرة المستفيضة لعلّها تبلغ حدّ التواتر .
وتدلّنا على ذلك أمور :
الأوّل : ظهور الأخبار الواردة في ذلك ،
حيث إنّها أناطت الصيام بشهر رمضان لا غير ، ثمّ أناطته برؤية هلاله لا غير .
فعلى ضوء الشكل الثالث من القياس ، ينتج أنّ شهر رمضان يتحقّق برؤية هلاله ؛ وهكذا في سائر الشهور .
الثاني : لو كان تحقّق الشهر بنفس خروج القمر عن تحت الشعاع
أو كونه فوق الأفق بلا مدخليّة للرؤية ، لكانت الأحكام الواردة على دخول الشهر أيضا تابعة لخروجه عن تحت الشعاع أو كونه فوق الأفق بلا مدخليّة للرؤية .
فكانت الرؤية حينئذ دخيلة في تنجيز الحكم ، لا في جعله وتحقّقه .
فإذا تكون الرؤية كاشفة محضة وطريقا صرفا ، لا بدّ وأن تخلفها سائر الطرق اليقينيّة وتقوم مقامها - مثل الحسابات الرصديّة القطعيّة وما شابهها - بلا إشكال .