قال الشارح قدّس سرّه : « أمّا لو غمّ شهر وشهران خاصّة ، فعدّهما ثلاثين أقوى ، وفيما زاد نظر » . « 1 »
أقول : يعني وفيما زاد عن شهر وشهرين نظر ، فإنّا لو سلّمنا كون التماميّة في الأشهر أصلا ، لكان هذا الأصل حجّة إلى أن يظهر أو يتحقّق خلافه ، ولا شكّ في ظهور الخلاف ، بل تحقّقه فيما زاد على الأربعة والخمسة فضلا عن العشرة والأحد عشر ، فإنّ عدم جواز تماميّة هذا العدد من الشهور متوالية من المعلومات العادية التي لا يتوهّم معارضة أصل من الأصول الأصليّة لها ، فترجيح مثل هذا الأصل على مثل هذا المعلوم غير موافق لشيء من القواعد الأصوليّة قطعا ، والخطأ إنّما نشأ من تسمية هذا المعلوم ظاهرا ، أو إلحاق الصورة المفروضة بصورة تعارض الأصل والظاهر - كما سيأتي عن قريب القول به من الشارح رحمه اللّه - وكيف يجوز لعاقل تجويز ابتناء العمل على ما لا يجوز وقوعه إلّا على طريق خرق العادة ! ؟ وهل هذا إلّا مثل تجويز تأخير صلاة الفجر إلى مضيّ خمس ساعات - مثلا - من أوّل ظهور الفجر في صورة استتار قرص الشمس بالغمام ؛ مستظهرا بأنّ الأصل عدم طلوعها ، مع العلم بعدم مجاوزة زمان الطلوع من أوّل الفجر بقدر ساعتين قطّ مثلا ، وهل هذا إلّا ملاعبة بالدين ، وتشكيك على أهل اليقين من المسلمين !
فالصواب في جميع الصور المفروضة عدم التجاوز من المعلومات العاديّة ، والعمل على طبقها وإن فرض عدّ ورود رواية مطابقة له ، فضلا عن موافقته لكثير من الروايات المرويّة عن أرباب العصمة ( صلوات الله عليهم أجمعين ) ؛ فإنّ العلم بأوائل الشهور من طريق استمرار العادة لا ينقص قطعا عن مرتبة الشياع والشهادة .
وقد أفتى الشيخ في المبسوط بمثل ما ذكرنا ، فقال :
فإذا مضت السنة كلّها ولم يتحقّق هلال شهر واحد ، ففي أصحابنا من قال : « إنّه يعدّ الشهور كلّها ثلاثين » ، ويجوز عندي أن يعمل على هذه الرواية التي وردت بأنّه يعدّ من السنة الماضية خمسة أيّام ، ويصوم اليوم الخامس ؛ لأنّ من المعلوم أنّه لا يكون الشهور تامّة . « 2 »
هامش
( 1 ) . الروضة البهيّة ، ج 2 ، ص 113 .
( 2 ) . المبسوط ، ج 1 ، ص 268 .