لأنّه لو قامت عنده البيّنة فحكم بذلك ، وجب الرجوع إلى حكمه ، والعلم أقوى من البيّنة ؛ ولأنّ المرجع في الاكتفاء بشهادة العدلين وما يتحقّق به العدالة إلى قوله ، فيكون مقبولا في جميع الموارد ؛ لإطلاق ما دلّ على أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه ، أو عمومه .
ولقوله عليه السلام في مقبولة عمر بن حنظلة : « فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم الله ، وعلينا ردّ » . « 1 »
وللتوقيع الرفيع : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا » ؛ « 2 »
ولخصوص صحيحة محمّد بن قيس : « إذا شهد عند الإمام شاهدان عدلان أنّهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الإمام بالإفطار » . « 3 »
والجواب عن أدلّة الثاني أنّ كلّها واردة فيما يتعلّق بالدعاوي والقضاء بين الخصوم والفتوى في الأحكام الشرعيّة ، ووجوب القبول فيها ممّا لا نزاع فيه ، وكذا المقبولة ، مع أنّ صدق قوله عليه السلام : « حكم بحكمنا » على مثل ثبوت الهلال ورؤيته محلّ الكلام .
وأمّا التوقيع : فالمتبادر منه الرجوع إلى رواة الأحاديث ؛ لأجل رواية الحديث ، مع أنّ الثابت منه وجوب الرجوع إليهم ، وهو مسلّم ، والكلام فيما يحكم به الفقيه حينئذ ؛ [ فإنّه لا ] شكّ في أنّه إذا ثبت عند الفقيه الهلال وأفتى بوجوب قبول قوله فيه أيضا ؛ لكونه قوله ، كذلك يجب القبول على ما قيل ، وإنّما الكلام فيما يفتي به ، ولا يدلّ الرجوع إليهم أنّهم إذا قالوا : « ثبت عندنا الهلال » يجب الصوم أو الفطر ، بل هذا أيضا واقعة حادثة ، فيجب الرجوع فيها بأن يسأل عنه : إذا ثبت عندك فما حكمنا ؟
وأمّا الصحيحة : فهي واردة في الإمام ، وهو الظاهر في إمام الأصل ، وأصالة ثبوت كلّ حكم ثبت له لنائبه العامّ أيضا غير معلومة بدليل ، ودليل الأوّل - وهو الأقوى والأمثل - الأوّل . والأخبار المعلّقة للصوم والفطر على الرؤية أو مضيّ الثلاثين ، والناهية عن اتّباع الشكّ والظنّ في أمر الهلال ، وقول الحاكم لا يفيد أزيد من الظنّ . « 4 »
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 67 ، باب اختلاف الحديث ، ح 10 .
( 2 ) . كمال الدين ، ج 2 ، ص 484 ، ح 4 .
( 3 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 169 ، باب ما يجب على الناس . . . ، ح 1 .
( 4 ) . مستند الشيعة ، ج 10 ، ص 419 - 420 .