وهذا هو المنساق إلى الأذهان .
ولو لم ترد الرواية المتضمّنة لكون الرؤية قبل الزوال لليلة الماضية وبعده لليلة المستقبلة ، لما كان الخصم يفهم من الروايات المتواترة سوى الذي ذكرناه من دون تأمّل وتزلزل ، كما لا يخفى ، وليس هذا إلّا من جهة الدلالة ، كما أنّه يحكم بعدم الفرق بين قبل العصر وبعده ، وقبل الغروب وبعده ، إلى غير ذلك .
بل قال جدّي العلّامة المجلسي رحمه اللّه : إنّ دلالتها على ما ذكرنا قطعي . « 1 »
ولا يخلو عن وجاهة ؛ لأنّ حمل المتواترة على خصوص ما قبل الزوال فاسد قطعا ، وإرادة ما بعده فيها قطعيّة ، والصوم والإفطار لهذه يكون من الغد قطعا بالضرورة من الدين ، فأمر الشارع - لأصل هذه الرؤية - يكون بالصوم غدا والفطر غدا ، ويكون هذا المتبادر ، وهو الظاهر ، وهو المراد .
فكيف يفهم من عبارة واحدة معنيين متفاوتين ! ؟ بل هو أيضا فاسد قطعا ، فتأمّل جدّا .
الثالث : الاستصحاب ، وقولهم عليهم السلام : « لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله » . « 2 »
الرابع : قولهم عليهم السلام في خصوص المقام : « لا يدخل الشكّ في اليقين » « 3 » وقولهم عليهم السلام :
« لا يجوز الصوم والإفطار بالتظنّي » « 4 » ، لكن ما ذكرت مضمون الأخبار ، ومتنها ليس ببالي .
ومعلوم أنّ الرؤية قبل الزوال لا تقتضي كون الهلال من الليلة الماضية قطعا ؛ لأنّ خروج الشعاع إذا وقع قبل المغرب بمقدار لا تتحقّق الرؤية به ليلا جزما ، يرى الهلال من الغد قبل الزوال قطعا ، بل إذا وقع خروج الشعاع عند المغرب أيضا يرى من الغد قبله قطعا ، بل إذا وقع بعد المغرب أيضا بدرجات يرى قبل الزوال قطعا ، كما لا يخفى على المطّلع ، ولذا كثيرامّا لا يرى الهلال بلا غيم ولا غبار ولا شبهة ، ومع ذلك يرى من الغد قبل الزوال .
والقطع حاصل بأنّه تعالى جعل الأهلّة مواقيت للناس والحجّ ، وورد في غير واحد من
هامش
( 1 ) . لم نعثر عليه في مظانّه .
( 2 ) . تهذيب الأحكام ، ج 1 ، ص 8 ، ح 11 ، وفيه : « ولا تنقض اليقين أبدا بالشكّ ، وإنّما تنقضه بيقين آخر » .
( 3 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 159 ، ح 445 ، وفيه : « اليقين لا يدخل فيه الشكّ » .
( 4 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 77 ، باب الأهلّة والشهادة عليها ، ح 6 ؛ الفقيه ، ج 2 ، ص 76 ، ح 334 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 156 ، ح 433 .