منه منتصف ما بين الحدّين - ممّا لا يصحّ تكليف عامّة الناس به ؛ لتعذّره أو تعسّره .
ولعلّه لذلك قال صاحب الوافي في موثّقة ابن عمّار :
قوله عليه السلام : « وإذا رأيته وسط النهار » يعنى به قبل الزوال ، وفي صحيحة ابن قيس « إلّا من وسط النهار أو آخره » يعني به بعد الزوال « 1 » .
ولم يحمله في واحد منهما على منتصف ما بين الحدّين . وهذا أيضا وإن كان مجرّد اشتباه منه إلّا أنّه ليس بهذا البعد ، وستأتي بقيّة الكلام من بعد هذا المقام بعون الله الملك العلّام .
فإن قلت : يفهم من وجوب إتمام الصيام إلى الليل إذا رئي الهلال من وسط النهار وجوب إتمامه إليه إذا رئي من آخر النهار ، فأيّ حاجة إلى ذكره ؟
قلت : في كون المفهوم حجّة خلاف ، فلعلّه عليه السلام لم يعتبره ، ولذلك لم يكتف بالأوّل ، أو هو من باب التصريح بما علم ضمنا ، فالقول بأنّ هذا الخبر دلّ بمنطوقه على وجوب الإتمام عند رؤية الهلال بعد الزوال ، وبمفهومه على وجوب الإفطار عند رؤيته قبل الزوال محلّ نظر ، وخاصّة إذا كان القائل إنّما أراد به الاستدلال على إثبات هذا المطلب ؛ إذ لو كان المفهوم معتبرا عنده ، لاكتفى بقوله : « فإن لم تروا الهلال إلّا من وسط النهار فأتمّوا الصيام إلى الليل » « 2 » ولم يذكر قوله : « أو آخره » ؛ لأنّ ذكر الوسط على هذا كما دلّ على وجوب الإفطار قبل الزوال دلّ على وجوب الإتمام بعده ، فعدم الاكتفاء به عن الثاني حتّى صرّح بقوله : « أو آخره » والاكتفاء به عن الأوّل تعسّف ، وهذا لو سلّم له أنّ المراد بوسط النهار منتصف ما بين الحدّين .
وقد عرفت أنّه خلاف الظاهر « 3 » ، فلا يصار إليه إلّا بدليل .
ولعلّه عليه السلام إنّما لم يذكر الثلث الأوّل من النهار ؛ لأنّ الهلال في ذلك الثلث بعيد عن الناظر فلا يرى ؛ لأنّ بعد المرأى - وخاصّة إذا كان صغيرا - مانع من الرؤية ؛ أو لأنّه في ذلك الثلث لم يبعد بعد بحركته الخاصّة عن النيّر الأعظم بقدر يمكن أن يرى ؛ أو لأنّه في ذلك الثلث لمّا
هامش
( 1 ) . الوافي ، ج 11 ، ص 121 - 122 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 177 - 178 ، ح 491 .
( 3 ) . « إذ الكواكب إذا كانت قرينة من الأفق بعدت عنّا وهي على سمت الرأس بأزيد من نصف قطر الأرض ، كما لا يخفى على من له أدنى تخيّل » . ( منه رحمه اللّه ) .