وأمّا رواية داود الرقّي فبين ضعيفة ومجهولة ، ومع ذلك لها احتمالات كثيرة ، ومن المشهور بين الطلبة قولهم : إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال ، فكيف يصلح لتخصيص حديث حسن أو تقييده ! ؟
على أنّ تخصيصه بما بعد الزوال يجعله قليل الفائدة ، بل عديمها ؛ إذ قلّ من يتوهّم أنّ رؤية هلال شوّال بعد الزوال توجب الإفطار ، أو يصحّحه حتّى يحتاج في دفعه إلى إفادة ابتدائه بقوله : « من رأى هلال شوّال بنهار في رمضان فليتمّ صيامه » « 1 » ، بل حاصله أنّ هلال شوّال قد يرى في آخر يوم من رمضان قبل الزوال ، فمن رآه فيه فليتمّ صيامه ، ولا يتوهّم أنّه يوم عيد ، كما توهّمه بعض العامّة ، كأبي يوسف والثوري وأحمد في اعتبار رؤية الهلال قبل الزوال ، وجعلهم يوم الرؤية غرّة شوّال ، فالغرض من هذا الحديث هو الردّ على هؤلاء الذين كانوا في زمانه عليه السلام ، وحينئذ يفيد فائدة تامّة ، كما لا يخفى ، فتأمّل .
واعلم أنّ أبان بن عثمان الأحمر ممّن أجمعت العصابة على تصديقه وتصحيح ما يصحّ عنه ، وهذا يكفي في اعتباره إذا روى عن معتبر رواية ، وتفيد أكثر من التوثيق .
لا يقال : قوله تعالى :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ
« 2 » يوجب عدم اعتبار أمثاله ، فإنّه لا فسق أعظم من عدم الإيمان .
لأنّا نقول : الفسق هو الخروج عن طاعة الله مع اعتقاد الفاسق كذلك ، ومثل هذا ليس كذلك ؛ فإنّ هذا الاعتقاد عند معتقده هو الطاعة لا غير ، والأولى أن يقال : إنّ الإجماع خصّصه .
قال الشيخ البهائي في مشرق الشمسين :
إنّ متأخّري أصحابنا ربما يسلكون طريقة القدماء في بعض الأحيان ، ويصفون بعض الأحاديث - التي في سندها من يعتقدون أنّه ناووسي - بالصحّة ؛ نظرا إلى اندراجه في من أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم ، وعلى هذا جرى العلّامة في الخلاصة ؛ حيث قال : « إنّ طريق الصدوق إلى أبي مريم الأنصاري صحيح وإن كان في طريقه أبان بن عثمان ، مستندا إلى إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه » « 3 » .
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 178 ، ح 492 .
( 2 ) . الحجرات ( 49 ) : 6 .
( 3 ) . مشرق الشمسين ، ص 270 .