فالزمان الذي يمكن رؤيته هو وسط النهار أو آخره ، فذكر الوسط والآخر ليس لبيان مخالفة حكم الرؤية في الأوّل لحكمها في أحدهما ، بل لبيان حكم يمكن الرؤية فيه .
وذكر القيد لمحض بيان الواقع والإرشاد إلى الأمر الممكن غير بعيد في كلامهم عليهم السلام ، ومع احتمال ما ذكرته في منفعة التقييد لا يصحّ التمسّك بالمفهوم ، كما لا يخفى . انتهى .
أقول : ويرد على ما ذكره في بيان الفائدة أنّ هذا التحديد بهذا المقدار المعيّن لا يساعده العرف ولا اللغة ، فيكون حملا للّفظ في الخبر على مصطلحة . وهو كما ترى .
فإن قلت : على تقدير حمل الوسط على المعنى الذي ذكره سابقا ، لعلّ عدم إمكان الرؤية في الأوّل باعتبار ممانعة قرب الشمس وغيره كالبخارات ، لا باعتبار كون الهلال تحت الأفق في الأوّل حتّى يرد ما ذكرناه .
قلت : القدر الثابت أنّ للقرب ممانعة في الجملة لبعض الأشياء ، أمّا أنّه في أيّ زمان ؟
وبأيّ مقدار ؟ وعن أيّ شيء ؟ فليس بمعلوم ، كما أنّ للضوء أيضا ممانعة في الجملة ، وليس بمانع للرؤية في الوسط مع كونه أقوى باعتبار جهة أخرى تعارضه ، فالظاهر أنّ القرب في الأوّل أيضا كذلك ؛ لأنّ الهلال عند قرب الأفق يكون أعظم حجما عند الرائي ، وهو سبب لسهولة الرؤية ، ويظهر من روايته عليه السلام - : « إذا طلب الهلال في المشرق غدوة فلم ير ، فهو هاهنا هلال جديد ، رئي أو لم ير » « 1 » - مظنّة الرؤية في الأوّل أيضا ، ويشعر به الحصر أيضا ، ويؤيّد أصل المسألة أيضا .
ويرد عليه أنّ مبنى الفائدة حينئذ على حمل الوسط على أمر مرجوح . وهو كما ترى .
والحاصل أنّ الاحتمالات التي لا يعلم ثبوتها لا تضرّ بالاستدلال من ظواهر المفهومات ، وإلّا انسدّ باب الاستدلال بالمفهوم ؛ لأنّه لا يمكن تحصيل الفائدة البعيدة في أكثر المواضع التي يستدلّ بها على المفهوم ، ولا يكفي مجرّد تجويز العقل والاحتمال ، خصوصا في صورة ادّعاء كون هذا الخبر دليلا للمشهور .
ثمّ قال :
فإن قلت : حمل الأوّل على زمان كون الهلال تحت الأفق يوجب اختلاف مقدار الأوّل مع مقدار كلّ واحد من الوسط والآخر ، أو مع مقدار أحدهما . وهو بعيد .
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 333 ، ح 1047 .