لم تروا الهلال إلّا من وسط النهار أو آخره فأتمّوا الصيام إلى الليل ، فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين ليلة ثمّ أفطروا « 1 » .
قال والدي رحمه اللّه في الذخيرة بعد ذكر صحيحة محمّد بن قيس :
وجه الدلالة : أنّ لفظة « الوسط » تحتمل أن يكون المراد منها ما بين الحدّين ، وتحتمل أن يكون المراد منها منتصف ما بين الحدّين ، أعني الزوال ، لكنّ قوله : « أو آخره » شاهد على الثاني ، فيكون الخبر بمفهومه دالّا على قول السيّد « 2 » .
انتهى كلامه ( رفع الله مقامه ) المتعلّق بهذه الرواية .
أقول : مراده رحمه اللّه أنّ لفظ « الوسط » في هذا الخبر محتمل لما بين الحدّين ، سواء جعل الحدّين الطلوع والغروب ، كما هو المتبادر ، فتكون الإضافة بيانيّة ، أعني كلّ النهار ، أو الأوّل والآخر ، والوسط قطعة ما بينهما .
وعلى كلا التقديرين لفظ « أواخره » شاهد وقرينة على أنّ المراد ليس ذلك ، أمّا على التقدير الأوّل فوجهه ظاهر ، وأمّا على التقدير الثاني فذكر أحد الطرفين دون الآخر دليل ظاهر على أنّ الطرف الأوّل حكمه مغاير لحكم الآخر ، وإلّا لم يعبّر بهذه العبارة إذا كان المراد أنّ حكم تمام النهار كذلك ، وهو ظاهر لمن له المسكة المستقيمة ، وسيتّضح لك بعض الشواهد لعدم إرادة ذلك أيضا ، ومحتمل لمنتصف ما بين الحدّين .
ولمّا كان المتبادر من المنتصف الحقيقيّ - وهو الآن - فسّر ( طاب ثراه ) بقوله : « أعني الزوال » ؛ لأنّ الحمل على الآن غير مستقيم ، أو مشتمل على البعد كما سيظهر لك عن قريب .
وإطلاق الوسط على الزوال شائع متعارف ، وأقرب المعاني في هذا المقام بحسب الإرادة ، فحمل عليه ، فحينئذ قوله : « فيكون الخبر دالّا بمفهومه على قول السيّد » ظاهر . ولعلّ مقصوده رحمه اللّه من المفهوم الشرط والحصر معا .
وإذا أردت التوضيح وتحقيق الحال ، فاستمع لما يتلى عليك من المقال :
اعلم أنّ أهل اللغة والشرع والعرف لا يفرّقون بين الظهر والظهيرة ، ونصف النهار والزوال ، بل يجرون استعمال لفظ « الظهر » و « الظهيرة » و « الهاجرة » و « القائلة » و « نصف النهار »
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 177 ، ح 491 .
( 2 ) . ذخيرة المعاد ، ص 533 .