تلك السنة التي ادّعيت فيها موافقتها للعدد لم تكن دليلا في نفسها ومؤثّرة لما يرجع إليها ، وإنّما المؤثّر عندكم العدد ، وإنّما طابق العدد للرؤية على سبيل الاتّفاق .
فأمّا قولك في أثناء كلامك : « إن عرض لهم الإغماء » فمصدر « أغمي على المريض إغماء » ، وليس بمصدر لقولهم : « غمّ الهلال » إذا خفي واستتر ، وإنّما مصدره « غمّ غمّا » « 1 » ، وهذا وإن كان خارجا عمّا نحن فيه ، فلا بدّ من بيان الصواب فيه من الخطأ .
[ مناقشة القائلين بالعدد في استدلال الرؤية والجواب عنها ]
ثمّ قال صاحب الكتاب :
وجه آخر : وهو أنّ من أصحابنا من يستدلّ برؤية الهلال في كلّ شهر ، فيقول : إنّ اليوم الذي يظهر في آخره هو أوّل المستهلّ بموافقته للعدد ، فمتى رأى الاختلاف عاد إلى العدد الذي هو الأصل .
ومنهم من يستدلّ بالرؤية من وجه آخر ، وهو أن يرقب ظهور الهلال له في المشرق وقبل طلوع الشمس ، يفعل ذلك يوما بعد يوم من آخر الشهر إلى أن يخفى عنه آخره من الشمس فلا يظهر ، فيعلم حينئذ أنّه آخر يوم في الشهر الماضي ، وهو يوم السرار ، واليوم الذي يليه أوّل المستهلّ ، فيستدلّ بذلك ما لم يخالف العدد ، فإذا خالفه أو اعترض له لبس عاد ؛ مستمسكا بالأصل . وهذه فصول مستمرّة ، والحمد للّه .
يقال له : أمّا ما قدّمته في هذا الفصل فهو غلط فاحش ؛ لأنّك ادّعيت أنّ اليوم الذي يظهر في آخره الهلال هو أوّل يوم المستهلّ ، ثمّ قلت بشرط موافقته للعدد ، فإن وقع اختلاف وجب الرجوع إلى العدد .
فأيّ فائدة في أن يعلم المكلّف إذا رأى الهلال في آخر يوم أنّ ذلك اليوم مستهلّ الشهر وقد فات وانقضى ، ولا يتمكّن من صيامه ولا أداء العبادة فيه ؟ وإنّما أمارة الشهر ودخوله تجب أن تكون متقدّمة ليعلم بها الشهر ، فيؤدّى الفرض فيه ، فأمّا أن تكون متأخّرة وقد فات الصوم فيه ، فغير صحيح .
وقوله : « بشرط موافقته للعدد » يسقط أن يكون برؤية الأهلّة اعتبارا وتكون دليلا في
هامش
( 1 ) . انظر المعجم الوسيط ، ص 663 - 664 ، « غ م م » .