وجوبه ، وهل هذا إلّا كمن فرّق بينهما ؟ إنّ هذا وضوء وتلك رؤية ، وهذا تيمّم وذاك عدد .
ومن الذي يقول : إنّ الموضعين يتشابهان في كلّ الأحكام حتّى يفرّق بينهما بأنّ صفة الوضوء والتيمّم ليست للعدد والرؤية ؟
فأمّا قوله : « إنّ الرؤية والعدد يتّفقان ، ولا يتّفق وجود الوضوء والتيمّم في موضع من المواضع » فغلط ؛ لأنّ الرؤية والعدد لا يتّفق حكمهما وتأثيرهما على الاجتماع عند أحد ؛ لأنّ مذهبنا أنّه إذا رأى الهلال ليلة الثلاثين وجب عليه الإفطار ولا حكم للعدد ، وإذا لم ير يكمل العدّة ثلاثين ، والحكم هاهنا للعدد ولا تأثير للرؤية ، فكيف يجتمعان على ما ظنّه ؟
وأمّا على مذهب أصحاب العدد ، فإن اتّفق على ما ادّعاه أن يوافق العدد للرؤية فلا حكم هاهنا عندهم للرؤية البتّة ، وإنّما الحكم للعدد ، فما اتّفق قطّ على مذهب اجتماع الرؤية والعدد مؤثّرين ومعتبرين .
[ مخالفة أخبار الرؤية للكتاب والجواب عنه ]
ثمّ قال صاحب الكتاب :
فصل : واعلم أنّه لا شيء أشبه بالعدد والرؤية المذكورين في هذا الخبر من الاستدلال في أحكام الشرع بالقرآن والأثر ، وذلك أنّ الرسول عليه السلام أمرنا بالرجوع إلى الكتاب عند التباس الأخبار ، وقال : « ستكثر عليّ الكذّابة من بعدي ، فما ورد عنّي من خبر فاعرضوه على الكتاب » . وكذلك وجوب الرجوع الذي قد تقدّم ، وكذلك إذا تعذّرت الرؤية ، وأمرنا بالوضوء بالماء ، وإذا فقدنا الماء فالتيمّم بالتراب ، من عرض الأخبار على الكتاب ، والأخذ بما يوافقه دون ما يخالفه .
والجواب أن يقال له : ليس في هذا الموضوع الذي هو الأمر بعرض الأخبار تنزيل أمرنا به ، فنصير إلى حالة بعد حالة واعتبار أمر من الأمور ، بشرط إمكانه إذا تعذّر بالرجوع إلى غيره ، وإنّما أمرنا بعرض الأخبار على الكتاب ؛ لأنّ الكتاب أصل ودليل على كلّ حال ، وحجّة في كلّ موضع ، والأخبار ليست كذلك ، فعرضنا ما لم نعلم صحّته منها على الكتاب الذي هو الدليل والحجّة على كلّ حال وفي كلّ وقت .
وكذلك العقول دلالة على جميع الأحوال غير محتملة ، فرددنا كلّ مشتبه من آيات وغيرها إلى أدلّة العقول ؛ لأنّها أصل ، فما هاهنا انتقال من منزلة إلى أخرى ، ولا أحوال مرتّبة بعضها