بفضيلة إنزال القرآن فيه فأنتم أيضا خصّوه بهذه العبادة .
ومعنى
شَهِدَ
أي : حضر . ثمّ قيل : إنّ مفعوله محذوف ، و
الشَّهْرَ
منصوب على الظرف - وكذا « الهاء » في
فَلْيَصُمْهُ
- ولا يكون مفعولا به كقولك : شهدت الجمعة ؛ لأنّ المقيم والمسافر كلاهما شاهدان الشهر ، فالمعنى : فمن شهد منكم الشهر المذكور المعلوم البلد أو المقام فليصم في الشهر . وصاحب هذا القول ارتكب الإضمار حذرا من لزوم التخصيص في حقّ المسافر ، إلّا أنّه يلزمه ما فرّ منه أيّة سلك ؛ لأنّ الصبيّ والمجنون والمريض كلّ منهم شهد البلد مع أنّه لا يجب عليه الصوم .
أمّا إذا قيل : إنّ الشهر مفعول به مثل « شهدت عصر فلان ، وأدركت زمانه » فلا يلزم منه إلّا أحد الأمرين ، وهو التخصيص بقوله :
وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
فيكون أولى من الأوّل ؛ لأنّ الإضمار والتخصيص إذا تعارضا فالتخصيص أولى ، فكيف إذا وقع الإضمار والتخصيص في جانب ، والتخصيص وحده في جانب ؟
هذا ما قاله الإمام فخر الدين الرازي معترضا به على صاحب الكشّاف وغيره .
قلت : الإنصاف أنّ الترجيح مع صاحب الكشّاف ؛ لأنّ لزوم الإضمار في الآية ممنوع ، وذلك أنّ
شَهِدَ
هاهنا متروك المفعول ، كقولهم : « فلان يعطي ويمنع » ومعنى شهد من شهد ، من كان على حالة الحضر سواء كان في البلد أو في منزل من المنازل ونوى الإقامة .
وأمّا التخصيص فمشترك على القولين إلّا أنّه على قول صاحب الكشّاف أقلّ ؛ لعدم دخول المسافر فيه ، فيكون أولى .
فإن قيل : فعلى هذا ، يكون قوله بعيد ذلك :
أَوْ عَلى سَفَرٍ
تكرارا .
قلنا : إنّما أعيد ليترتّب عليه حكم القضاء ، كما للمريض . وأيضا لا يلزم من إيجاب الصوم على الحاضر عدم إيجابه على المسافر ، ولو سلّم فبالمفهوم أوّلا وبالمنطوق ثانيا ، فأين التكرار ؟ وإنّما وضع المظهر وهو الشهر مقام المضمر حيث لم يقل : فمن شهده ، اعتناء بشأنه ، واعتلاء لمكانه ، وتمكينا في القلوب ، وتعظيما في النفوس كقوله :
إن يسأل الحقّ يعط الحقّ سائله « 1 »
هامش
( 1 ) . غرائب القرآن ، ج 1 ، ص 501 - 502 . والبيت من البسيط .