ورد عليك يكلّفك سؤالي عن شهر رمضان ؛ هل يكون تسعة وعشرين يوماً كما يكون ثلاثين يوماً ؟ وهل إذا كان تسعة وعشرين يوماً يكون شهراً كاملًا أم لا يطلق عليه الكمال ؟ » « 1 » .
وقد سلك الشيخ المفيد في إثبات رأيه منهجية فقهية دقيقة راعى فيها المعايير العلمية وقواعد الصناعة الفنّية في ضوء المعطيات الأصولية والقواعد اللغوية . ونحن ندرس فيما يلي هذه الممارسة الفقهية ضمن الخطوات التالية :
الخطوة الأولى - الاستناد إلى اللغة :
لقد ذكر الشيخ المفيد في رسالته الأصولية ( التذكرة بأصول الفقه ) أنّ الأدوات والطرق الموصلة لفهم المصادر الثلاثة ( الكتاب ، سنّة النبيّ ، أقوال المعصومين ) - كما حدّدها واصطلح هو عليها ( أصول الأحكام الشرعية ) - ثلاثة ، هي : 1 - العقل . 2 - اللسان ( / اللغة ) . 3 - الأخبار . وحدّد وظيفة اللسان بأنّه : « السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام » « 2 » .
وقد وظّف الأداة الثانية في فهم النصّ ( اللغة ) خير توظيف في المقام ، فارتكن إليها في إثبات مدّعاه في مسألة تحديد الشهر ، حيث حلّل من ناحية لغوية لفظ ( الشهر ) الوارد في القرآن الكريم ، فذكر أنّ الأشهر عند العرب إنّما سمّيت بذلك لاشتهارها بالهلال . ثمّ استشهد ببعض الآيات ، مثل قوله تعالى :
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
« 3 » ، وقوله تعالى :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ
« 4 » ، فسمّى الله تعالى الأشهر بما وضعت لها العرب بهذه التسمية . ثمّ قال : « وقد بيّنا أنّها وضعتها للشهر من حيث اشتهر بالهلال وكان الهلال علامته ودليله ، والهلال إنّما سمّي هلالًا لارتفاع الأصوات عند رؤيته بالتكبير والإشارة إليه - إلى قوله : - فإذا كان الشهر هو ما اشتهر بالهلال ، ثبت أنّه دليله دون ما سواه ، وذلك إبطال قول أصحاب العدد
هامش
( 1 ) - جوابات أهل الموصل ( ضمن سلسلة مصنفات الشيخ المفيد ) 13 : 9 .
( 2 ) - التذكرة بأصول الفقه ( ضمن مصنفات الشيخ المفيد ) 28 : 9 .
( 3 ) - التوبة : 36 .
( 4 ) - البقرة : 185 .